يرى الدكتور سعيد السريحي أن الحداثة أصبحت الآن هاجس وطن بأكمله بات أكثر ثقة في نفسه، وأكثر انفتاحاً وجرأة على ملامسة الأسئلة الحرجة ومراجعة المسلمات.
وقال السريحي في حديث مع »مكة» إن الحداثة لم تعد مشروعا لمجموعة من الشباب، بل أصبحت هاجس وطن بأكمله، بات أكثر قدرة على الانفتاح على الآخر، وأكثر جرأة على مراجعة مسلماته، ونحن الآن نمتلك من الشجاعة ما يكفي لأن نلامس كثيرا من الأسئلة التي لم نكن نجرؤ على ملامستها من قبل، وذلك أننا كوطن أصبحنا أكثر تمكنا من هذه المسألة.
الإرث الثقافي
ويرى السريحي أن المشروع الحداثي لا يمكن أن يختصر في قصة أو قصيدة أو مقالة، وإنما هو هذه الرؤية الحضارية التي يتم من خلالها النظر إلى الإرث الثقافي والمعرفي من ناحية، وإلى الآخر من ناحية أخرى، وأننا إذا نظرنا للحداثة باعتبارها هذا الفكر وهذه الرؤية فإننا في وضع متطور كثيرا عما بدأنا به.
وعن تبلور مشروع الحداثة لدينا مقارنة بالأقطار العربية ذهب السريحي إلى القول بأننا حينما نقف على مسألة الأدب والإبداع والثقافة لا تكون المقارنة بين أقطار هي ليست تكوينات منغلقة عن بعضها، وإنما بإمكاننا أن نتحدث عن عطاءات متميزة لأشخاص محددين، وأن نتحدث عن تميزنا على سبيل المثال في الشعر إذا ما نظرنا للشاعر محمد الثبيتي، وفي الرواية إذا ما نظرنا لكل من عبده خال ورجاء عالم. ولا يمكن أن يكون الحديث عن بلد خاصة في ظل أن الدول العربية تمتلك تاريخا في الحركة الثقافية لا نمتلكه وتمتلك مؤسساتية لإدارة حركة الثقافة لا نزال نعاني في وضعها على الطريق الصحيح.
فترة حرجة
وعن مستقبل الوطن والثقافة يرى السريحي أن النظرة للمستقبل لا يمكن لها أن تنظر للأدب المحلي في حد ذاته معزولاً عن الإطار العام للأدب العربي، والثقافة العربية بأكملها والتي تمر في فترة حرجة وهي جديرة أن تجتاز هذه الفترة الحرجة، مضيفا: «عالم يعاني من أزمة وجود، وليس أزمة ثقافة» هي أزمة تحدد كينونته في انتشار عناصر التطرف والإرهاب التي لم تعد عصابات ولكنها أصبحت دولا، وإذا ما عبر العالم العربي أزمة الوجود هذه فإن انتصاره لن يكون انتصاراً لوجوده، وإنما لوعيه وثقافته أمام العالم، وإذا ما نجا من ذلك عندئذ يكون مؤهلاً للتفكير، ويصبح أكثر تقدما وأكثرا انفتاحا وأكثر إيمانا بالإنسان.
التحول الوسائطي
ويرى الدكتور السريحي أن توتير وفيس بوك ومواقع التواصل المختلفة و المجموعات البريدية، هي آلية لتوسيع دائرة المتلقين للثقافة، وقد أحدثت ما يمكن تسميته بالفوضى الخلاقة، مشيراً إلى أنه ينبغي أخذ تلك الوسائط مجرد الإشارة بمعنى أنه ينبغي لها أن تقودنا إلى أدب دون أن تكون هي الأدب في حد ذاته، وأن تقودنا للفكر دون أن تغرينا أنها هي الفكرة. مشكلة تلك الأدوات أنها تغري باعتمادها في حد ذاتها دون أن تقود لما يمكن أن تحيل أو تشير إليه.
وأوضح السريحي أنه ثمة مشكلة أخرى بالنسبة لهذه الوسائط، وهي أنها تجعل الثقافة قاسماً مشتركاً بين الناس، وهذا الأمر قد يؤدي إلى شيء من خلط الأوراق، غير أنه مستقبلا سيبشر بمجتمع أكثر إدراكاً، وأكثر اقتدارا على إدارة الصراع، لأن الصراع أصبح واضحاً، وليس صراعاً مسكوتا عنه كما كان في السابق.

