ويبقى الوقت بساعاته ودقائقه وثوانيه، رأس المال الحقيقي لكثير من الناس، ولقد كان وسيبقى بحول الله رأسمالي الأساسي. ذلك أنه الحياه..
ولقد قال الشاعر: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياه دقائق وثوان
وما أضاع قوم الوقت إلا ضاعوا.. وما أهدروه إلا جاعوا.. وما اغتنموه إلا أفلحوا وذاعوا..
فالوقت هو الإطار الزمني الذي يضع العاقل فيه مصالحه ويوزعه لقضائها في وقتها المعلوم، وهكذا يفعل مع كل إطار ولكل مهمة، حتى تمسي حياته إنجازاً يتلوه إنجاز.. ومرحلة تعقبها مرحلة. وبدون حساب الزمن وقيمته يذهب العمر سدى، وتصبح الحياة ميلاداً ينتظر النهاية.
والله سائلنا يوم القيامة عن عمرنا فيم أفنيناه وعن مالنا فيم صرفناه، وعن علمنا فيم وظفناه، وهي أمور لا يحكمها - بعد إرادة الله - سوى التخطيط والوقت المُنفق فيها. وما أتعس عمر ضاع دون عمل. وما أفسد مال صرف في غير موضعه، وما أجهل علم لا ينتفع به.
فالعمر يضيع هباء إذا لم تكن هناك أهداف مرحلية يترسم المرء خُطاها حتي يأتي الواحد تلو الآخر، وهي أمور لا تتم مصادفة إذا لم تكن مصابيح من الهدى والتقوى تنير المسيرة منذ انطلاقتها وحتى موعد الرحيل.
ولا شك أن أعظم هذه المصابيح ورأس نورها مخافة الله، ومراقبته في السر والعلن، وهي سنام كل أمر. والمال الذي هو نعمة قد يحيلها سوء التصرف والتقدير إلى نقمة، نعمة أعطاها المُنعم لمن شاء من خلقه ليرى أيكفرون أم يكونون من الشاكرين.
وشكر النعمة في تقديري دائماً يكون بالعمل وليس بالحمد لله والشكر لله نُطقاً باللسان وحده، والله يقول: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور).
والمال يبقى أهم وسائل تخطيط مراحل العمر، لمن أدرك أنه مال الله وما هو إلا مُستخلف فيه، واتخذه مركبة يعبر بها هذه الحياة الموقتة إلى حياة الخُلد الأبدية، ويبقى الوقت الذي هو القناة الفعلية للعمر والمال، وعبرها تنتقل مراكب الأيام وسفن الأعمال، والمركب دون سفين يُحسن التوجيه والقيادة إبحار نحو المجهول، والسفن دون شراع وقِلاع وملاح ماهر، رحلة معاناة قد لا تصل إلى مرفئها في الوقت المعلوم، وقد لا تصل إليه أبدا.
ولكم اخترعنا لأنفسنا بأنفسنا من المُبتكرات ما يلتهم الوقت دون أن ندري، لدرجة نسينا معها معناه. والمشكلة الأعظم، أن الوقت أمسى بالنسبة لجيلنا هذا هو الوقت الذي ينفعهم هم، وهو في الواقع يُسرق منهم في شكل مخترعات وآلات سمحت للقضاء على الوقت دون فائدة ترتجى سوى إضاعته، وهو تقصير لا يطال الناشئة فقط، ولكنه طال من طالت أعمارهم وكبرت مناصبهم، واستقرت بعض حاجيات الناس في مكاتبهم.
فوقت الشباب العابث بأجهزة إلكترونيه قد يعيبه وحده، ولكن وقت المسؤول إذا ما ضاع هدرا فإن مصالح الناس تكون هي الضحية.
وكما أن للعلم مبادئ وحقولا، فإن للعمل قواعد وأصولا، أبسطها قسمة الوقت المبذول على العمل المُنجز والنتائج المتحققة.
وإذا استقطعنا من ساعات العمل ساعات العبادة (مع أن العمل كله في حد ذاته عبادة)، وإذا ما طرحنا وقت المكالمات الشخصية، والمطالعات الصحفية، يكون قد فاتنا من الزمن الفعلي للعمل ما لا يقل عن نصفه، وقد يكون كافيا بعض الشيء، أن ننجز في النصف المتبقي نسبة لا بأس بها من المهام، ولكن المصيبة أن نصرف هذا النصف كله في لقاء واحد مع زائر عمل أو زائر خاص، فتكون النتيجة اليومية صفرا من الإنجاز، والله يحاسب من أخذ الأجرة على ما أنجز من عمل، فمن خرج من مكتبه في يومه بلا إنجاز، فعليه أن يتحمل وزر ذلك اليوم، يوم الحساب.
وذات يوم، زرت فلانا في مكتبه من أجل مسألة لا تستهلك من الوقت إلا عشر دقائق، وخرجت من عنده بعد أكثر من ساعة، ولمكانتي عنده قدمني على طابور المنتظرين، فدخلت محرجا وخرجت في غاية الإحراج، لقد عطلت دون قصد مصالح كثير من الناس ولم يكن لي ذنب سوى أنه يحبني ويعلم مدى جديتي والثقة المتبادلة بيننا، وتكفيرا عن ذنب لم أقصد ارتكابه، قررت ألا يدخل أحد علي مكان عملي إلا في وقته المحدد وألا يتجاوز دخوله أحدا ممن حضروا قبله في مواعيدهم، فعلا لقد قررت:
- أن أستغل كل دقيقة في الاستماع إلى ما عند زائري دون مقاطعة حتى يفرغ، لأن موضوع الكلام «أخذ وعطاء» سينهب الوقت دون أن نشعر وعادة ما تولد المقاطعة مواضيع فرعية قد تطغى على صلب الموضوع.
- التأكد من أن الإحساس بتراص الناس في مكتبي ليس إحساسا بالرفاهية، بقدر ما هو إحساس بالمسؤولية، التي تتطلب مني العدل وعدم التجاوز.
- إن للغريب حقا أكبر من القريب، ذلك أن بيتي يتسع للأقرباء أكثر من الغرباء، وإن كان في ذلك تعد على وقت أهل البيت.
- إن المجاملة قد تكسبك فردا، ولكنها ستجعلك تخسر أفرادا، قد يكون بينهم صاحب حاجة مأمولة، أو دعوة عند الله مقبولة.
غفر الله لي وله ولكم أجمعين.    

 

"لا تنه" (1)

"لا تنه" (2)

"لا تنه" (3)