في شتى أنحاء العالم، تقوم الجامعات والمنظمات الدولية بتنظيم مؤتمرات حول مواضيع تربوية مهمة مثل «مستقبل المدارس والجامعات» أو «مستقبل التعليم». هذا الأسبوع في بانكوك، نظمت اليونيسكو بالتعاون مع برنامج الإبداع التعليمي في آسيا والمحيط الهادئ للتنمية مؤتمرها الدولي السابع عشر تحت عنوان «المعلمون من أجل المستقبل الذي نريده».
مدير اليونيسكو في بانكوك، جوانج جو كيم قال إن الرسالة الرئيسة التي يجب أن يفهمها العالم هي أن التعليم جيد بقدر ما المدرسون جيدون، لأن المدرسين هم الذين يحتلون مركز الصدارة في صياغة عقول ومواقف الأجيال القادمة للتعامل مع التحديات العالمية والفرص المستقبلية. وأضاف السيد جوانج جو كيم أن «الحكومات والمجتمعات تستثمر في المعلمين، وهم بذلك يستمثرون في المستقبل».
قبل أن يستطيع المعلمون أن يؤثروا في أجيال الطلاب ويسهموا في صياغة المستقبل، عليهم أن يعدوا أنفسهم بشكل جيد. إحدى المبادرات الاستراتيجية في رفع مستوى مهنة التعليم وإيجاد التغييرات الضرورية هي في أن يقوم المعلمون بإعادة اكتشاف جذور مهنتهم النبيلة ويلاحظوا بصدق أنهم في الواقع علماء، ومفكرون، وقادة، وخبراء في التغيير.
مفهوم المعلم العالم يستعيد أهميته بين العاملين في مجال التعليم في شتى أنحاء العالم، خاصة مع تطور المجتمعات واكتساب المهنة احتراما خاصا على أنها «المهنة الحقيقية» التي لها تأثير غير مادي يتمثل في قوة المعرفة، ومهمة حضارية، واحترام للذات، وعمليات تفكير راقية، ومهارات وعلاقات اجتماعية، وقيم، والشخصية الفكرية، والكفاءات ذات الصلة، والثقة بالنفس.
مفهوم المعلم العالم له عدة آثار. أحد آثاره المهمة هو أن المعلم لن يبقى على هامش المجتمع والتنمية. المعلم العالم سوف يشارك بحيوية في تعريف الواقع والتنمية. المعلم العالم لن يسمح للآخرين باختطاف مهنة التعليم وتعريف محتوياتها ومقاييسها ومعانيها وروحها، لأن المعلم العالم هو الذي سيقرر ما يفعله المعلمون من أبناء المهنة. المعلمون العلماء هم الذين سيعملون على صياغة وتشكيل المجتمع والمستقبل المأمول الذي يحتاجه المجتمع الذي يقودونه.
جذور فكرة المعلم العالم تأتي أيضا من فكرة المسؤول الحكومي العالم التي بدأت خلال حكم عائلة سوي في الصين (581-617)، حيث كان على المسؤولين الرسميين أن يجتازوا عدة اختبارات تعتمد على المعرفة التامة بكتب الفلسفة الكونفوشيوسية. المسؤول الحكومي العالم كان عليه أيضا أن يكون شاعرا وخبيرا في فن الخط والرسم والنقد الاجتماعي ومحاسبة الذين يستغلون السلطة. جذور المعلم العالم تعود إلى أمثلة سقراط وابن خلدون اللذين يعدان من مؤسسي الفنون الليبرالية.
المعلمون العلماء هم الذين يدركون معنى وحدود مسؤوليات الفرد في المجتمع، ومعنى المواطنة التشاركية التي تسهم في المواطنة العالمية. المعلمون العلماء يفهمون معنى توعية المواطن لأنهم يفهمون طبيعة تطوير قدرات الطلاب بأفضل السبل. كذلك فإنهم، بشكل واقعي عام، يستطيعون أن يفهموا ترجمة قدرات ومواهب الطلاب إلى طاقات تسهم في توعية المجتمع وزيادة معرفته، وكذلك في صياغة المواطن المسؤول الذي يتمتع بالمعرفة وحس المسؤولية. المعلم العالم متواضع يحترم الوضوح وقوة العقل وفكر العلماء القدماء ومساهماتهم المهمة ومثلهم العليا.
في عمل بحثي مهم بعنوان «إعادة النظر في العلوم»، قال الباحث إرنيست بوير إن المعلم العالم سوف يسهم بشكل مباشر في اكتشاف والسعي لتكامل جميع أنواع المعرفة، وتطبيق المعرفة على المواقف الواقعية في الحياة.
المعلمون العلماء في المستقبل سوف يقومون بإحداث تغييرات استراتيجية على مهنة التعليم والطريقة التي يفترض أن تسهم فيها في تطوير المجتمعات الإنسانية بشكل أفضل. تطبيق هذا المفهوم سوف يؤدي إلى إحداث تغييرات في عقلية وتعريف المعلمين لأنفسهم وإلى حدوث تحولات نموذجية في مجال إعداد المعلمين.