بلغ عدد الحجاج الذين تمت إعادتهم لعدم حملهم تصاريح الحج أكثر من 220 ألف حاج (حسب تصريح رئيس اللجنة الأمنية بالحج، ومدير الأمن العام اللواء عثمان المحرج)، وتم ضبط أكثر من 45 ألف سيارة مخالفة، وضبط خمسين حملة وهمية على مستوى المملكة!
هذه الأرقام المرعبة قد أجد لها مبرراً لو كانت تتعلق بعمل دنيوي، لكن أن تكون في أمر ديني فذلك بالفعل أمر يستحق التوقف والتأمل، بل ودراسة جادة ومتخصصة للأسباب التي دعت الناس لا يكترثون بالأنظمة ويتفننون في التحايل عليها حتى لو كلفهم ذلك مزيداً من العقوبات، ومن قبلها المخاطرة بأنفسهم وتحمّل المشاق المضاعفة، وأحسب أن هذا هو الوقت المناسب (بعد الحج هذه السنة) لمناقشة هذه القضية من كافة جوانبها بدلاً من الكتابة عنها كقضية موسمية ومن ثم نسيانها حتى العام القادم عندما نجد أنفسنا أمام نفس المشكلة وكأنها حالة طارئة!
أسئلة كثيرة لا بد أن تُطرح على طاولة النقاش، سيّما أن المفتي العام الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ قال: (إن أداء فريضة الحج بدون تصريح محرم شرعاً) و.. (إن الموضوع قد تم عرضه على هيئة كبار العلماء في عهد الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - فاكتسب الأغلبية حيث أصدرت الهيئة قرارها، مؤكدا أنه يجوز لولي الأمر تنظيم المدة لخمس سنوات، وأن من أدى فريضة الحج من المواطنين والمواطنات فعليهم أن يلزموا الانتظار، لافتا إلى أن التحايل على الأوامر والأنظمة لا يجوز أبدا.) ..(جريدة الرياض 14773).
فكما هو معلوم أن الحج فرضه الله على القادرين (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (آل عمران:97)، وعدم الحصول على تصريح للحج يدخل في باب عدم الاستطاعة، إضافة إلى أن تنظيم الحج – كما قالت هيئة كبار العلماء- من حق ولي الأمر لمصلحة المسلمين كافة، إذن ما الذي يدفع كثيراً من الناس للرغبة في الحج رغم عدم الاستطاعة أولاً، وارتكاب معصية مخالفة ولي الأمر في أمر انتفت شروط وجوبه؟
أعلم أن الكثير يرمي السبب مباشرة على مغالاة (تجار) حملات الحج، حيث أصبح سعر الحملة يعادل دخل عام كامل للأسر متوسطة الدخل، وهذا لا شك أحد الأسباب لكنه بالتأكيد ليس السبب الوحيد، رغم أنه يحتاج وقفة حازمة من الحكومة كي
لا تكون العبادة موسم تكسّب على حساب المواطن العادي، في الوقت ذاته ينبغي على العلماء أن يوضحوا للناس بأن عدم القدرة على دفع تكاليف الحملات يُسقط الوجوب على المسلم، وفي هذه الحالة لا ينبغي له أن يرتكب عددا من المعاصي كي يؤدي فريضة هو غير ملزم بها.
وأنا هنا أفترض الأسباب التي جعلت هؤلاء الحجاج المخالفين يُصرون على الحج، أقول أفترض لأنني لا أعرف الأسباب الحقيقية، ولهذا قلتُ إن الأمر يحتاج دراسة جادة تجمع كل الوزارات والهيئات في البلد، فوزارة الداخلية – مثلا – قد تعرف الكثير من أسباب هذه الظاهرة كونها تتعامل معهم مباشرة من خلال الميدان، والأهم أن يكون الرأي الشرعي واضحاً في هذا الخصوص، فكثير من الحجاج الذين يخاطرون بأنفسهم وربما يعرّضون عائلاتهم للتهلكة من خلال التسلل عبر الجبال يعتبرون ذلك نوعاً في المشقّة التي يؤجرون عليها، سيمّا وأني قرأتُ أثناء بحثي لكتابة هذا المقال من يقول (صراحة) إن عملية تنظيم الحج هي نوع من تعطيل الفرائض، والقصد من ذلك أن هنالك كثيرين مستفيدون من بقاء الفوضوية التي تعتبر لهم بابا من أبواب التكسّب، فالمستفيد من شقاء الناس لن تعييه الحيلة للتدليس على الناس في أمور الدين كي لا تكسد بضاعته.
أتمنى فعلاً أن أرى ورشة عمل كبرى قبل العام القادم لمناقشة هذا الموضوع من كافة جوانبه، فالأمر له تأثيرات اجتماعية وأمنية وفكرية كبيرة، ومعالجته في بداياته ودراسة أسبابه أجدى بكثير من التصدي للنتائج فقط!