جزيرة العرب مهد الثقافة العربية الأول، ولا يزال نتاج أجدادنا إلى اليوم يدرّس ويترجم، ووطننا زاخرٌ بالطاقات المبدعة في شتى المجالات، لكن ربما لا نعلم أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الفعل في الثقافة العربية، أما العالمية “فحلمٌ عميق السبات”، نعم نملك مؤسسات ثقافية، ونملك طاقات مبدعة، لكننا لا نملك المشروع الثقافي المؤطر برؤى استراتيجية يتوخاها المبدعون ويسيرون على هداها، ولا نملك كذلك الإرادة الجادة في بلوغ الريادة الثقافية، وهذا الحكم يأتي من العراقيل والعقبات التي يجدها المثقف أمامه رسميا واجتماعيا.
لن أتعرض لشِق العراقيل الاجتماعي؛ لأن مقالي السابق يصب في تنوير المجتمع وإذابة الحواجز، فإن وُجد الناقل الإعلامي ذو الرؤية الصافية؛ ستكون مهمة المثقف تنوير المجتمع بما يتوافق وثقافته وثوابته وعصره الذي يعيشه، لكن سأتوقف أمام الشق الرسمي، فكلنا يعلم يا معالي الوزير أن المؤسسات الثقافية مكبلة بالعديد من الجهات التي تضع الاشتراطات والعراقيل أمام صُنّاع الثقافة حتى يشعروا بالسأم والإحباط، فالنادي الأدبي أو جمعية الثقافة والفنون على سبيل التمثيل لا تستطيع أن تقيم نشاطا دون مخاطبات قبل فعاليتها بشهر ونصف على الأقل، تفاجأ بعده باعتذار المدعوين لظروفهم الخاصة، ولا تستطيع استضافة شخصية وطنية صادف أنْ زارت المنطقة، فتستثمر الجهة الثقافية زيارتها لتقليل تكاليف إركاب واستضافة أخرى.
فما بالكم باستثمار زيارة مثقف عربي أو عالمي للبلاد؟.
نحن لا نطالب بإلغاء الاشتراطات التي تخدم مصلحة وطنية يا معالي الوزير، بل نطالب بمرونتها، واستثمار الوقت، فأهم أسباب ضعف العمل الثقافي وضياع الجهود وجود البيروقراطية المملة والمسوفة في عصر السرعة والانترنت، ناهيك عن مفاجآت التدخل بالإيقاف لورود بلاغ كيدي أحيانا.
وفي الشق الرسمي أيضا، لا تزال وزارة الثقافة والإعلام مقصرة في خدمة الثقافة، وأول تقصيرها أنها لم تنفذ توصيات مؤتمرات الأدباء، تلك التوصيات التي تظل تتكرر في نهاية كل مؤتمر، حتى أطبق ظلام اليأس على شمعة الأمل، فما دامت الوزارة جمعت الأدباء والمثقفين، واستمعت إلى مطالبهم في أربعة مؤتمرات متتالية، ولم تنفذ تلك المطالب التي أوصى بها المؤتمرون فإن هذا يضعها في خانة (لا أجد وصفا لها).
منصات التتويج العربية ـ أيضا ـ يا معالي الوزير قلما تخلو من مبدعٍ سعودي، لكن المبدع لا يجد الرعاية التي يستحقها في وطنه، ناهيك عن عزلته عن الضوء، وكم من مبدع توطنه اليأس وآثر العزلة والانطفاء، بعدما اكتوى بنيران المحسوبيات وسياط الشلليات، وبلوى الطيف الأوحد، وظلمات التهميش، فنتاجهم محروم من دخول المكتبات المدرسية، أو المناهج الدراسية إلا فيما ندر، ووسائل الإعلام تزاور عنهم ذات العلاقات وذات النفاق، ناهيك عن أحوال بعضهم المادية البائسة، أما الصحة فالله بأجسادهم عليم.
أمام معاليكم، جمعية ثقافة وفنون أعلنت التقشف، وأندية أدبية على ميزانية أقرت قبل 40 سنة، وانتخابات متهمة، ومشهد ثقافي مكبل، ومبدعون يلتهبون حماسة لفرصة يخرجون فيها من تحت الرمال الراكدة، ووسط ثقافي بلا هيبة، صار سائغا لكل ذات أو جهة تريد تصفية حسابات فكرية أو فئوية، وجمعيات على ورق بلا مقرات ولا دعم، وفنون جميلة لها مبدعوها حوربت حتى صار التفكير فيها رجسا من عمل الجيران، ودراما هشة تتكئ على جهود فردية، وخبرات ضعيفة، لم تختبر قدراتها علميا، وتحفيز ضئيل إلى درجة الزهد.
الأمل معقود بهمتكم وعزمكم، بالمبادرة إلى نفض الغبار عن قطاع الثقافة، وإعطائه حقه ومكانته التي يجب أن يكون عليها، فالمكون الثقافي من أهم المكونات لكل الأمم، وله الصدارة والأولوية في الاهتمام والدعم، وإني لأستبشر خيرا بما ستشهده الساحة الثقافية مستقبلا من وهجٍ تستحقه، فلا يغرنكم ثناء مهنئ مداح، فمعاليكم الآن على هرم ركام يحتاج إلى غربلة، وإعادة بناء وفق أسس علمية مدروسة واستطلاعات رأي واسعة وشفافة، استشرافا لغدٍ مزهر.
فهل يفرح الآملون؟
»وزير الثقافة والإعلام.. وآمالٌ عِراض« (2 ـ 2)
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
