أتذكر أن آخر مقال كتبته عن داعش كان قبل أربعة أشهر، فبالنسبة لي أصبحت الكتابة عن هذا التنظيم المتطرف دعاية مجانية تزيد من انتشار تطرفه وتجعل الناس في متابعة دائمة لكل أفعاله. لكن أفكاري وتساؤلاتي أجبرت قلمي على الكتابة عن تحالف دول تجار السلاح مع التنظيمات المتطرفة.
نتذكر سويا عندما كان تنظيم القاعدة يريد أن يبث كلمة لزعيمه المقتول أسامة بن لادن أو لنائبه أيمن الظواهري، يتم تصويرهما بين كهوف وجبال تورا بورا الوعرة، دون أي معالم تفضح سرية المكان، لذلك عندما كانت توصف القاعدة بالتنظيم الحركي السري، وأن الاستخبارات الدولية على رأسها الأمريكية كانت تواجه صعوبة في جمع المعلومات عنهم وتتبع تحركاتهم، كان الجميع يصدق ذلك إلى حد كبير. اليوم تنظيم داعش يفتح صدره لقوات التحالف ويفضح مواقعه الميدانية عبر أفلامه المتنوعة التي تستغرق ساعات طويلة لتصويرها في أماكن مفتوحة، ومن شاهد فيلمهم عن ذبحهم للأقباط المصريين على شاطئ البحر المفتوح وفي وضح النهار يدرك أن هذه الجماعة «ماخذة راحتها على الآخر» وليس لديها أي تخوف من أن يأتيها أي قصف مفاجئ، على الرغم أن بوارج الناتو والأمريكان على بعد أميال منها!.
أصبح تواطؤ المجتمع الدولي في القضاء على داعش واضحاً، وعندما أكتب المجتمع الدولي فأقصد الدول الكبرى اللاعب الحقيقي لهذا الصراع، أما البقية فهم من ضمن قطع «الشطرنج» التي يُلعب بها. من يصنع السلاح هو من يشارك في اللعبة، ونحن نعلم أنه مع تطور التكنولوجيا أصبح إنتاج السلاح كثيفا لدرجة تجعل تصديره يحتاج إلى زرع مناطق صراعات عدة في مناطق متفرقة.
في أوائل أبريل 2013 أصدرت الأمم المتحدة تقريراً عبرت فيه عن قلقها من المعلومات الواردة بشأن تهريب الأسلحة من ليبيا إلى دول أخرى. وبحسب تقرير أعده مجموعة من الخبراء بمجلس الأمن الدولي فإن هناك شحنات من الأسلحة يتم تهريبها من ليبيا إلى أكثر من اثنتي عشرة دولة تتضمن أسلحة ثقيلة وخفيفة. التقارير تؤكد أن ليبيا إلى هذه اللحظة ما زالت مسرحا ومعرضاً لبيع السلاح وتهريبه عبر جنوب تونس وجنوب الجزائر وشمال النيجر إلى جهات مثل سوريا ومالي.
أين يُصنع السلاح؟ يصنع في أمريكا وروسيا والصين وبعض من الدول الأوربية. إذن ما الفائدة أن ينتهي هذا الصراع بالنسبة للدول المصنعة؟
ما يحصل في العالم العربي اليوم هو تجارة سلاح، نشتريه ونقتل به لسانا عربيا آخر. انظر إلى هذه المعادلة البسيطة التي صنعتها القوى الغربية في إدارة هذا الصراع:
يبيعون السلاح إلى الجماعات المتطرفة، في المقابل تضطر الحكومات العربية إلى زيادة سلاحها لمواجهة التطرف، بمعنى أن «تجار السلاح» يبيعون للجماعات المسلحة وإلى الحكومات العربية على حد سواء! إذن ما الداعي أن يوقف هذا الصراع؟ صدقني عزيزي القارئ هذا هو حال «لسان» البلدان المصدرة للسلاح. لا يهمها الدم العربي ولا تلقي بالاً لِكم من الأطفال يقتلون، وكم عدد النازحين الهاربين من شبح الموت والقتل.
خلاصة القول أن الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة في العالم تحصل على السلاح بشكل منظم ورسمي من الدول الكبرى، إضافة إلى استيلاء بعضهم على أسلحة الجيوش بعد تفتيتها في العراق وسوريا واليمن وليبيا. اليوم لا بد أن نبحث عمن قام بصناعة هذه الجماعات والمليشيات في العالم؟ فمن الذي أنشأ القاعدة مثلا ومن الذي سلحها؟ واليوم من الذي يسلح داعش؟
في سوريا بدأت الدول الأوروبية وأمريكا تسلح الثوار ضد بشار، وعلى الجانب الآخر روسيا تسلح بشار ضد الثوار، كما حدث أيضا في اليمن بعد حصول الحوثيين على السلاح من إيران أصبحوا الحاكم حاليا لأن السلاح مصدر قوة.
لعلي أختم بإحصائية حتى يكون المقال مفيداً، وهي من كتاب «التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي» الذي أصدره معهد ستوكهولم لأبحاث السلام العالمية «سيبري» نهاية عام 2014 الذي ذكر أن حجم الإنفاق العسكري على السلاح في العالم وصل إلى 1748 مليار دولار، وفى الشرق الأوسط وحده وصل إلى 150 مليار دولار، احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى من حيث الإنفاق والتصدير «البيع» للأسلحة، بينما الهند المستورد الأول بالعالم لها، وجاء بقائمة أكبر الدول المصدرة للأسلحة أن أمريكا الأولى بنسبة 29% تليها روسيا بنسبة 27% ثم ألمانيا 7% ثم الصين 6% وفرنسا 5% وبريطانيا 4%، وإسبانيا 3%، وأوكرانيا 3%، وإيطاليا 3%، وآخرها إسرائيل بنسبة 2%.
تجار السلاح وتغذية التنظيم!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
