في أشد حالات احتياجك للأمن والهدوء والسكينة، لا يمكن إلا أن تغبط أولئك الذين صادقوا الطبيعة وصاحبوها وتعلّقوا بها حد العشق!
كلما سنحت لي فرصة السّفر وجدت في القطار ضالتي، أتنقل بين المُدن الكبيرة في أرض الله الواسعة فأرى في أريافها الصحة تطل من عيون الناس صغارا وكبارا وتطفح بها وجوههم.
لو قُدّر لك أن تكون ضيفًا على إفطار عائلة في الريف ستعرف كيف تحن الأرض على إنسانها.. تأخذ منه الجهد وتمنحه بسخاء..
على مائدة إفطار في الريف تجد كل الأجبان والألبان والفواكه والخضراوات.. لا معلّبات ولا مجمّدات.. لا عوادم ولا نفايات ولا فضلات ويمكنك أن تضع كل اللاءات التي لوت عنق حياة المدن بصخبها وضجيجها وأعصاب إنسانها المستنفرة التي لا ليلها ليل ولا نهارها نهار.
في كل مرة تنعم فيها بحياة الريف وخيراته ومفاتنة تعرف أنك لن تبقى هنا كل الوقت ومع ذلك فستظل تنتظر الوقت المستقطع تكافئ فيه نفسك.. تستنشق العافية والهدوء وراحة البال بعيداً عن قسوة «تروس المدينة» القاسية..
ولكن لم لا تبقى في الريف؟ أنا شخصياً أفكر في الموضوع. أبحث عن تلال أو سهول ممتدة أو شواطئ أو جبال.. لا يهم. المهم أن ترجع نغمة السكون وتعود إلى أذني دندنات ونداءات الحياة..
ها هي تقول: «ارجع إلي.. صحواً كنت أم مطراً»..
ذهبت نجاة وجاءت فيروز تقول لي:
«والنوم !! مين بينام غير الولاد..
بيغفوا وبيروحوا يجمعوا أعياد»..
نستطيع أن نجعل من منازلنا بيوتاً لو تركنا الزحام والصراخ وذهبنا إلى عوالم اللطف والرفق.
أبحث عن مكان أستطيع أن أتنسم فيه ربيع العيش في أقصى أطراف المدينة بعيداً عن الزحام!

