قبل بضع سنين فقط كانت فكرة المؤامرة على العالم الإسلامي وعلى الأخلاق والمثل والقيم تشكّل المحور الذي من خلاله ننظر إلى العالم من حولنا، وبه نزن المواقف السياسية، ومن خلاله نحلل الأحداث العالمية. وقد كانت الكتب التي تتحدث عن هذا الأمر وترسخه في نفوسنا ذات رواج كبير في معارض الكتب، ومكتبات البيع مثل بروتوكولات حكماء صهيون، ومَن يحكم واشنطن، وحكومة العالم الخفية، وأحجار على رقعة الشطرنج، واليهودي العالمي، ومؤلفات عديدة، ونوادي الروتاري. والآن تغيّر الموقف الثقافي من فكرة المؤامرة إلى النقيض تماما، فقد أصبحت الآن تسمّى نظرية المؤامرة بعد أن كانت في نظر الجميع حقيقة لا تقبل النقاش، بل أصبح كل من يتصدّى للحديث عن الواقع المأساوي للأمة الإسلامية سياسيّا وثقافيّا يصدر كلامه بعبارة (أنا لا أومن بنظرية المؤامرة ولكن..)، وكأنّ هذه الكلمة عبارة عن تأشيرة لا بد منها ليكون كلامه مقبولا، مع أننا في أكثر المواقف نجد أن مَن يدّعي إنكار ما يسمّيه نظرية المؤامرة يقع رغما عن أنفه في نسبة ما يريد تحليله من مواقف إلى مؤامرة ما، وكأن جحده لهذه الفكرة إنما هو مسايرة للتيار الإعلامي والثقافي الجديد.
أن يخدع الإنسان أمر عادي متوقع حدوثه، ولكن حين يستمر الخداع ويصبح واقع الإنسان برمته: تاريخه، ومعاشه... تحت سلطة هذا الخداع الممنهج، فالقضية غير عادية، وتستوجب أن يتساءل المرء: كيف؟ ولماذا؟ فما يصطلح على تسميته، ازدراء وانتقاصا من شأنه، بنظرية المؤامرة، هو عبارة عن كم هائل من المعلومات المسيطرة إعلاميا وثقافيا مقابل ما تشحن به عقولنا من معلومات ومعارف فرض علينا الاعتقاد بها وترك ما سواها، تحت طائلة التهميش أو التشهير أو العقاب الذي يصل حتى الإيذاء والاغتيال لكل من يحاول أن يواجه تيار الحقيقة. لأنه وبالفعل يكفي لنجاح الشر ألا يفعل الأخيار أي شيء.