يقضي الفرد سنوات لا يستهان بها من عمره طالبا للعلم، مستكشفا المعرفة ومجددا لقدراته. وخلال دراسته تلك، يمر بمقتطفات يسيرة من علوم متفرقة بالحياة. يستمر كذلك حتى يصل إلى مرحلة تحتم عليه اختيار التخصص الذي ينوي استثمار طاقاته في إتقانه. البعض يجد عملية اختيار التخصص سهلة والبعض الآخر قد يقضي سنوات حتى يتوصل إلى التخصص الأمثل الذي يحقق التوازن بين ميوله ومستقبله بالصناعة.
إن بعض التخصصات معرضة للتقادم أو التحول لمسارات متقدمة أخرى أو حتى الزوال، لأسباب تعود إلى سرعة تقدم الأدوات الإنسانية والمعرفية وتعقد الأسواق والتكنولوجيا. ومن بين الأسباب الأخرى المتعلقة بالتخصص ذاته هو مدى حاجة الناس له وقابليته للتطور السريع.
تعد الشركات والمصانع محركات قوية للتطوير والتغيير، وهي في كثير من الأحيان تسبق جهود الباحثين بأقسام الجامعات لأنها أكثر قربا من واقع الأسواق وأكثر إدراكا لتقلباته. تقوم الشركات المتفوقة باعتماد ميزانيات كبيرة لأقسام البحث والتطوير لديها من أجل إخراج أجيال رائدة ومتجددة من المنتجات، يتم تحديثها بشكل مستمر لتحقيق السيطرة على تحولات الصناعة.
من شأن تلك النفقات تغيير وجه الصناعة، وقد تتسبب في انهيار شركات وبزوغ أخرى، أو تقادم واندثار تخصصات وظهور أخرى. خير مثال على ذلك صناعة الهواتف المتنقلة. فقد تحول مسارها من مجرد سلعة الكترونية بسيطة لتقديم خدمات الاتصال والرسائل القصيرة، إلى بلاتفورم لتطبيقات غير محدودة، مرتبطة بالانترنت وشبكات التواصل إلى جانب الخدمات التقليدية. كان وراء ذلك التحول تفوق أقسام البحث والتطوير لدى العملاقتين أبل وسامسونج، حيث ساهمت الشركتان في إخراج منتجات غير مسبوقة من الهواتف الذكية، أحرجت هواتف لشركات متصدرة آنذك.
إذن يمكن القول إن التخصصات رهينة لظروف الصناعة وتقلبات الأسواق ومدى الحاجة إليها وقابليتها للتطور السريع. تلك العوامل تحرج باستمرار أقسام الجامعات وخريجيها. فكيف يمكن للشخص أن يصنع من نفسه عاملا مجددا للمعرفة بمجال تخصصه أو قائدا لثوراته وتحولاته؟
تأتي أهمية الشخص من أهمية تخصصه، وأهمية التخصص تأتي من فاعلية أدواره وريادتها في تحسين حياة الناس أو معالجة مشكلاتهم. تلك الأدوار يحييها ويجددها الخلاقون وعمال المعرفة في تلك التخصصات، سواء وجدوا بأقسام الشركات أو أقسام الجامعات، أو حتى بالمجموعات المتطوعة. الأمر يتطلب أولا الشعور بالفخر بانتمائك لتخصصك ثم استثمار طاقاتك في إتقانه. يتبع ذلك تعريف الناس بأهميته وأدواره القيادية في معالجة مشاكل المجتمع وتحسين ظروفه. لا يكفي الكلام ورفع الشعارات، بل يجب العمل لإخراج منتجات أو نماذج راقية تبرهن على فعالية وقيادية تخصصك بالمجتمع.
فهل تحمل رسالة تخبر من خلالها الناس بمجتمعك أنك ومن منطلق تخصصك تستطيع أن تقدم نموذجا رائدا وداعما لتقدمهم؟ من هنا يبدأ الدور الحي والمستقبل القيادي لك ولتخصصك.