موقف الملك عبدالله حفظه الله من الأزهر الشريف موقف تاريخي بامتياز، سيشكل نقلة حديثة في الواقع السعودي بشكل خاص، لأن التفات رجل بمكانة خادم الحرمين حفظه الله إلى هذا الأمر المغيب منذ زمن طويل هو دليل على وعي غاب عن كثير من المحسوبين على العلم والفكر، بل وعلى أدعياء الوحدة الإسلامية والتقريب المذهبي، الذين يسعون من خلال ما يسمى بالحوار والتقارب إلى اصطياد المواقف والترويج المذهبي والتبشير العقائدي.
وهو أمر ليس بغريب على خادم الحرمين الذي فتح باب الحوار مع جميع الأديان ودعا إلى السلام والمحبة بين بني الإنسانية على أسس من الدين القويم.
الأزهر الشريف لا يزال قبلة العالم الإسلامي من الناحية العلمية والشرعية، والمحاولات التي امتدت منذ بداية القرن الماضي لضرب الأزهر والغض من مكانته، وتشويه صورته، ومحاولة إفقاره ماديا، وتفريغ مضمونه علميا، واختراقه مذهبيا كلها باءت بالفشل.
الأحداث الأخيرة فيما يسمى بالربيع العربي في مصر كان الأزهر فيها أحد صمامات الأمان الثلاثة (الشعب، الجيش، الأزهر)، أثبت فيها الأزهر أنه من الناحية الدينية والثقافية صرح بناء لا هدم، وتجميع لا تفريق، ونزاهة لا انتهازية ولا استغلال لمكاسب سياسية أو فئوية أو حزبية.
ولأنه صرح علمي يمثل العدالة والاعتدال، ويحارب الغلو والاستغلال، ويمقت طلاب الدنيا والنازية الإسلامية التي جعلت الحكم والغلبة على الناس والاستبداد بأمرهم دينا وديدنا، سبب له عداوة ما تسمى بالصحوة حتى وصل الأمر إلى الإضرار به من جميع النواحي، فالأزهر الشريف في تاريخه كله كان ينأى بنفسه عن أن يكون أداة في يد أحد أو لأحد، برغم ما مر به من صعوبات بسبب الاستبداد، والتي مرت بها جميع المؤسسات على مستوى العالم العربي في الفترة الماضية.
إلا أن كثيرا من المتشنجين فكريا ومذهبيا لم يستوعبوا رسالة خادم الحرمين بدعمه للأزهر وتبنيه لإعادة إحياء دوره المطلوب، وقد يكون الأمر أبعد من ذلك فهؤلاء لا يزالون في غيبوبة العصبية المذهبية التي أدت بالأمة إلى ما هي فيه الآن، والتي يسعى خادم الحرمين لوأدها وإطفاء نيرانها، فما معنى أن يستمر عدد من الدعاة في وسائل الإعلام المحلية وغيرها في الطعن بالعقائد التي يتبناها الأزهر؟ وقذف الأشاعرة وأتباع المذاهب الأربعة بالخرافية وأمثال هذه الأحكام إلا أن يكون هؤلاء في حالة مخالفة لولي الأمر وإعلان الانحياز إلى الغلو والفرقة والجهالة والتكفير؟
المطلوب من الإذاعات والقنوات التي لا تزال تبث هذه الأفكار التي تفرخ بذور التكفير من حيث علم هؤلاء ومن حيث لم يعلموا، أن يكفوا عن هذه الطريقة التي باتت قضية مرفوضة من الأمة ومن ولاتها أمثال خادم الحرمين الذي أثبت أن الوعي الذي يملكه يتجاوز وعي كثير من أرباب الشهادات العليا وأساتذة الجامعات ودعاة الإذاعات والفضائيات، ممن نراهم يتنقصون غالب أمة محمد صلى الله عليه وسلم من مشرق الأرض إلى مغربها.