قديما قيل (الفراغ مفسدة). تشبعت أذهاننا بمعرفة الفراغ بشكله الواحد ألا وهو اقتصار عمل ويوم وحياة الشخص على لا شيء، لا في الإنتاج ولا الحياة.
ولكنني أرى الفراغ بأشكال متعددة، الفراغ الظاهر الذي سبق التعريج عليه، مثال على ذلك: يوم شخص يبتدئه بالاطلاع على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي التي لا أحد يسبقها في الوصول للأشخاص المتلقين، ثم اللعب على النت، الجوال، السوني، أو الدردشة والحديث الذي قد يطول لساعات.
1- هذا الفراغ الظاهر للأعين حتى إنه قد يرمي به الشخص بقول «والله انك فاضي أو فاضية».
2- الفراغ الخفي الذي يتصف به أصحاب الأعمال والوظائف أو المسؤوليات.. فمثل هؤلاء الظاهر والمعلوم أمام جل الناس أن لديهم مسؤوليات، موظفون مشغولون ولكن في باطن الأمر هناك منهم من هو فارغ لا ينجز عمله الذي يحضر إليه، بل يتجاوز ذلك بأن يعطل الأشخاص من قضاء حوائجهم! مثل بعض الموظفين أو الذين هم مشغولون بملء وقت فراغهم بالخروج وكثرة الزيارات والنزهات، مثل هؤلاء يملؤون فراغهم بفراغ! رغم المسؤوليات التي يتحملونها، بل قد يكون هؤلاء فراغهم ظاهرا أكثر من فراغ أصحاب الفراغ الخفي الذين فراغهم يملأ شغلهم - يملؤون الفراغ بفراغ.
تتراءى لذاكرتي صورة لمعلمين درسوني، أحدهم ملأ فراغ عقلي بمعلومات ما زلت أتذكرها بعد مرور سنوات، وعلى الجانب الآخر معلم لا أذكر من محاضراته سوى صورة قاعة المحاضرة وهو يقرأ لنا من الكتاب.
الخلاصة جميعهم درسوني، أحدهم زاد فراغ عقلي، والآخر ملأه بما ينفعني.
هناك فراغ مفيد هو: الذي نأخذ فيه من فراغنا لشغلنا بشكل مفيد في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه قد يكون هذا الشخص عاطل عن العمل لكنه يسعى بأن يملأ الفراغ بما ينفعه أو يقويه أو يطوره، يجعل فراغه محطة تقويه لسيره بطريقة صحيحة مدى الحياة، يأخذ دورات يستمع لمحاضرات، ندوات، برامج تطوره تنوره، يصبح بها مهيأ للعمل والإنجاز بشكل مفيد ممتاز عندما تأتيه الفرصة للعمل التي قد هيأ نفسه للحصول عليها. قال صلى الله عليه وسلم: (اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ) وذكر منها: (وفراغَك قبل شُغلِك).
ما يستفاد: أن الفراغ مهما تعددت أنواعه لا يخرج من شكلين ألا وهما:
1_ فراغ إيجابي يضيف للشخص وينميه مدى الحياة.
2_ فراغ سلبي يجعل الشخص فقط متلقيا لما يعرض عليه أو سيعرض له، ولا يأخذ حيال ذلك قرارا أو عملا إيجابيا ينفع به نفسه، دينه، وطنه، مستقبله، مجتمعه.