كلما دخلت مكتبتي ألقيت نظرة على صورة صديقي وشيخي وأستاذي الدكتور محمد العيد الخطراوي – رحمه الله - وقد وضعتها إلى جوار مكتبي، وكأنني لا أريد أن أفقده، أو كأنني أستلهم من نظرته الواثقة والساخرة مددا روحيا، وأستعيد فكاهته وسخريته المرة وقهره وبكاءه وحدّته وتذمره.
كنت شابا حديث التخرج حين عرفت الدكتور محمد العيد الخطراوي، الأديب الكبير والشاعر المبدع واللغوي والمؤرخ والفقيه، وكانت صلتي به تزيدها الأيام ألفة وعمقا ومحبة، أغشى منزله كلما قصدت المدينة المنورة، وأراه كلما هبط جدة، وبين هذا وذاك كان الهاتف بيني وبينه لا يكاد ينقطع حتى يتصل، وأصغي سمعي إلى طريقته في الكلام، مستعدا لتلقي سيلا من النكات والتعليقات، وإذا ما التقيته كنت أديم النظر إلى عينيه وقد أستغرق في الضحك، ثم إذا به يخوض بي في أحاديث كلها شكوى وكلها مرارة، فأسمعه كلمات أطيب بها خاطره عن علمه الواسع وشعره الرائع، وأن الزمان مولع بالكيد للكرام، وما كنت حين أسمعه تلك الكلمات لأجامله، فأنا، وقد رحل الرجل إلى بارئه، كنت أراه بقية العلماء الكبار في ثقافتنا، من الأولى حفظوا المتون فأجادوا الفنون، وزاد شيخي وصديقي فأصاب قدرا عظيما من الأدب الحديث، وكان شاعرا مقتدرا مبدعا، وناقدا حصيفا، وأنى درت به في دروب الثقافة والمعرفة العربية الإسلامية، كنت تخرج منه بقدر عظيم من العلم الأصيل الذي لا ينفسح إلا للآحاد، وكان الدكتور محمد العيد الخطراوي – رحمه الله - منهم.
وحين اعتلَّت صحته لم يعتزل الكتابة والقراءة، وكان آية في الحفظ والوعي ووقدة الحس لولا ارتخاء أصاب جسده وثقل لسانه، وكان، كما عهده أصدقاؤه، حفيا بهم، يمنحهم عطفه وحنانه، لين الجانب، يتتبع أخبارهم، وكأنهم جزء منه، ولا أزال أتذكر أنه هاتفني قبل وفاته بأسبوع، بصوته المتهدج الحنون، يطمئن عليَّ، ويستطلع أخباري، وحين قلت له: أتأمرني بشيء يا دكتور؟ قال لي: شكرا لك.. أحببت السلام عليك، وما إن مضى الأسبوع حتى وافاه أجله، ولكل أجل كتاب.
كان محمد العيد الخطراوي روحا تغمر كل من عرفه بالحب والمروءة.. كان، رحمه الله، إنسانا نادرا.
ضحكة الخطراوي
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
