ظل كتاب الرأي والمفكرون والسياسيون العرب ينقلون إلى الرأي العام العربي تحليلات ووجهات نظر بعض المراقبين والكتاب ودوائر البحوث والدراسات الغربية والإسرائيلية التي تجزم وتؤكد على سقوط النظام السوري في أقرب وقت، وتولي المعارضة الحكم من بعده، وهذه النتائج السريعة غير الدقيقة اعتمد معظمها على تحاليل ومعلومات وأخبار مستقاة من الصحف والجرائد الأمريكية والأوروبية المرموقة، بالإضافة إلى الصحف الإسرائيلية، فقد «نقلت صحيفة هآرتس عن مسؤول أمني إسرائيلي أن «النظام السوري» شارف على الانتهاء..وأن سوريا ستتفكك طائفياً إلى ثلاث دويلات كردية وسنية وعلوية.
ففي الوقت الذي حددت صحيفة «الناشيونال بوست» الكندية عدة شهور لانهيار نظام الأسد في عام 2011، توقعت صحيفة «لوموند» الفرنسية بعد انشقاق رئيس الحكومة السورية «رياض حجاب» عام 2012 وانضمامه إلى المعارضة، أن يسقط الرئيس السوري خلال أيام!...وسارت الصحف العربية الصادرة في بعض العواصم الغربية الأخرى على نفس الوتيرة وتنبأت بسقوط النظام خلال أشهر..وأطلق السياسيون والدبلوماسيون بدورهم العنان لتصريحاتهم وتوصلوا إلى نفس النتيجة؛ سقوط النظام الوحشي في وقت قريب «أقرب مما تتصور!»..ولم يقتصر الكلام على أولئك فقط، بل تصدى للمسألة المنجمون والفلكيون.
وظهرت تصريحات أخرى من الطرف المؤيد للنظام والداعم له من المحور الروسي الإيراني العراقي تفيد بأن النظام باق وأن مرحلة سقوطه قد انتهت بحسب تصريح زعيم ميليشيا حزب الله «حسن نصرالله»، وراح البعض يساوم إسرائيل على البقاء بالسلطة ويربط أمن النظام بأمنها كـ»رامي مخلوف» إذ صرح أنه (لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا) وكرر مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية «حسين أمير عبداللهيان» نفس الكلام، وقال إن (سقوط نظام بشار الأسد يمثل تهديدا لأمن إسرائيل)، والنتيجة أن المنطقة تشهد صراعا سياسيا وفكريا محتدما بين الفريقين، حتى وصلت «الدربكة» السياسية إلى حد أن صرح وزير الخارجية العراقي السابق «هوشيار زيباري» بأن النظام السوري «شارف على الانتهاء»، بينما رئيسه في الحكومة «نوري المالكي» يناقضه الرأي ويصرح؛ أن الأسد لن يسقط، متسائلا بدهشة؛ ولماذا يسقط؟، صحيح لماذا يسقط، ودول المحور تقف خلفه بكل قوتها وجبروتها وخزائن العراق مفتوحة له والميليشيات الطائفية الإرهابية تهب من كل حدب وصوب لنجدته..والحال أن آلة الموت الأسدية ما زالت شغالة لقتل الأبرياء، وظل نظام الشؤم يسوم شعبه سوء العذاب على مرأى ومسمع من العالم دون أن يحرك ساكنا، ولكن ما سر قوة النظام السوري في استمرار تحديه للمجتمع الدولي، هل تكمن في وقوف أصدقاء النظام إلى جانبه بقوة كما تقول كبيرة الباحثين في مركز «وودرو ولسن» للدراسات الاستراتيجية في واشنطن «أمل مدللي» أم إن مصلحة أمريكا وإسرائيل والدول الغربية تقتضي عدم إسقاط الأسد لكيلا تتحول سوريا إلى ملجأ جديد لتنظيم القاعدة بحسب قول الرجل الثاني في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه) «مايكل موريل»، وهل هذا السبب هو الذي دفع القوات الأمريكية قبالة السواحل السورية واللبنانية في البحر المتوسط عام 2013 بالتراجع عن ضرب قوات الأسد في آخر لحظة؟..برأيي أن هدف إسرائيل وأمريكا من عدم إسقاط النظام السوري ليس خوفهما من إحلال نظام إسلامي متطرف محل نظام الأسد «الإرهابي» فحسب، بل لأن سوريا أصبحت قاعدة لانطلاق أول خطوة لتكريس الاستراتيجية الغربية الجديدة القائمة على الصراع الطائفي السني الشيعي في منطقة الشرق الأوسط وما تتبعها من تغييرات جذرية في خرائط بلدانها..لهذا السبب لم يسقط نظام الإجرام في دمشق حتى الآن..