رغم التقلبات والتراجعات التي تمر بها أسعار النفط، وفقدانها نحو50? من قيمتها من يونيو 2014، لم تلجأ الحكومة إلى السياسة الانكماشية في الإنفاق، بل واصلت إنفاقها السخي على تحديث وتطوير البنية التحتية بتخصيص نحو 860 مليار ريال للإنفاق العام في ميزانية العام الجديد، إيماناً بدور هذا الإنفاق في تحريك الاقتصاد، وعدم السماح له بدخول مرحلة الركود كما هو الحال في كثير من بلدان العالم.
ومستوى الإنفاق الحكومي المرتفع يكشف رغبة الحكومة الجادة في تعزيز التنمية المستدامة، وبناء دولة حديثة، لكن الأرقام الكبيرة للمشاريع المتعثرة أو المشاريع التي نفذت بطريقة لا تتوافق مع المواصفات الفنية لها تنم بشكل مباشر أو غير مباشر عن وجود شبهة فساد إداري أو مالي حدثت في إحدى مراحل ترسية أو استلام المشروع، تعرقل هذه الرغبة وتحد منها.
وحديث المهندس عبدالله البابطين المدير العام لمتابعة عقود الأجهزة الحكومية والشركات بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد “نزاهة” في منتدى التشييد مؤخراً حول قيمة المشاريع المتعثرة، والتي تصل إلى حوالي 40 مليار ريال بنسبة تقارب 33% من تلك المشاريع يؤكد ذلك حتى لو لم يتحدث صراحة عن ذلك، فالأسباب التي أوردها المهندس البابطين لتعثر المشاريع، تتصل بضعف التخطيط، وانعدام الرؤية عند من يخططون لتلك المشاريع من جهة، وتتعلق بضعف الإمكانات الفنية لبعض الشركات المنفذة للمشاريع الحكومية من جهة أخرى، ومما أورده أن ضعف كفاءة جهاز الإشراف الفني التابع للجهة الحكومية وعدم مشاركة فروع الجهات الحكومية في المتابعة والإشراف، وضعف كفاءة أعضاء لجان الاستلام الابتدائي والنهائي للمشاريع أهم أسباب تعثر المشاريع بعد الترسية، ومعظم هذه الأسباب يمكن تصنيفه نتيجة غير مباشرة لفساد مالي وإداري غير معلن.
هذا الحجم الكبير للمشاريع المتعثرة كشف عجز الجهات الرقابية عن تحقيق أهدافها حتى بعد إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد “نزاهة”، التي منحت صلاحية واسعة، وكان الأمر الملكي الذي أُسست بموجبه واضحاً وصريحاً، ونص على عدم استثناء كائناً من كان، ومنح الهيئة صلاحيات واسعة تمكنها من القضاء على الفساد، بل تشير كثيراً من الاستقراءات إلى زيادة حجم الفساد وانتشاره بعد إنشاء “نزاهة”.
والقضاء على الفساد الذي أصبح ظاهرة لا يمكن أن يتم من خلال التلويح بالعقوبات والمحاكمات والمواعظ الدينية، بل يتطلب إجراءات حاسمة وحازمة تقود في نهاية المطاف لتطبيق فعلي لمحاكمة ومقاضاة المتورطين في الفساد، وإقامة محاكمات علنية لهم، وتطبيق عقوبة التشهير بحقهم في حال ثبوت تورطهم كما هو معمول به في كثير من دول العالم المتقدم، والتي أثبتت نجاحها في القضاء على الفساد المالي والإداري.
وتطبيق عقوبة التشهير الحل الوحيد للحد من ارتفاع قضايا تعثر المشاريع التي ترتبط بشبهة فساد مالي وإداري، لأنها عقوبة رادعة وزاجرة مقارنة بالعقوبات التقليدية لارتباطهما بالاسم والسمعة سواء الشخصية أو الاعتبارية، ويمكن تطبيقها على الأشخاص والمؤسسات والشخصيات الاعتبارية. لا سيما أن عقوبة التشهير ليست جديدة في المملكة، بل معمول بها منذ زمن طول، فالتشهير بمهربي ومروجي المخدرات ونشر أسمائهم وصورهم في وسائل الإعلام معمول به منذ 1408، وكذلك عقوبة التشهير بمرتكبي الأخطاء الطبية مطبقة منذ 1426، إضافة إلى تطبيق نظام التشهير والغرامة للوكلاء غير المنتظمين بتأمين قطع غيار أصلية للسيارات.
علاوة على أنه وفقاً لآراء كثير من أصحاب العلم الشرعي والقضاة والقانونيين لا يوجد شرعاً ما يمنع من تطبيق عقوبة التشهير لمن يثبت تورطهم في قضايا الفساد بعد اكتساب الحكم الصفة القطعية، والحكم في تطبيقها من عدمه متروك للقاضي الذي يتولى الحكم في القضية، وهي على حد قولهم تعتبر من العقوبات التعزيرية، وتوازي الجلد والسجن والغرامة.
وبما أن عقوبة التشهير معمول بها في المملكة منذ وقت طويل، ولا يوجد شرعاً ما يمنع من تطبيقها للحد من تفشي الفساد الذي ضرب أطنابه في البر والبحر، فالطريق أمام الجهات الرقابية ممهد وسهل لمراجعة أنظمتها ذات العلاقة بحماية النزاهة ومكافحة الفساد واقتراح تعديلها، وتضمينها عقوبة التشهير بمن تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم تتعلق بالفساد كعقوبة تبعية، التزاماً بالأمر السامي الكريم الذي ينص على مراجعة الأنظمة التي تتضمن أفعالاً مجرمة قد يرى مناسبة التشهير بمرتكبيها، إلى جانب وضع قواعد للإفصاح والنشر للقضايا التي تباشرها ونتائج ما توصلت إليه على نحو يعزز من مبادئ الشفافية والموثوقية والعدالة، بما يضمن القضاء على تعثر المشاريع الحكومية، واستئصال الفساد الذي قتل التنمية.
آن الأوان لتطبيق عقوبة التشهير
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
