خادم الحرمين يدعو لاستراتيجية إسلامية ملزمة لمواجهة الإرهاب
عبدالرحمن حذيفة، عبدالرحمن الصالح - مكة المكرمة
أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أن المملكة تصدت للإرهاب برجال أمنها البواسل وبعلمائها ومفكريها وباحثيها ووسائل إعلامها، وتعاونت مع أشقائها والمجتمع الدولي لمواجهة خطر الإرهاب، داعياً العلماء المشاركين في المؤتمر العالمي لمكافحة الإرهاب والذي انطلق أمس بمكة المكرمة، لتشكيل منظومة إسلامية تتصدى لتشويه الإرهاب لصورة الإسلام وذلك بوضع خطة استراتيجية نلتزم بها جميعا.
وشدد في الكلمة التي ألقاها نيابة عنه مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل، على أن المشاركين في المؤتمر يجتمعون لأمر يهدد أمتنا والعالم لتغول الإرهاب المتأسلم وفيما يلي نص الكلمة:
يطيب لي أن أرحب بضيوف المملكة العربية السعودية وأحيي الحضور الكريم في هذا المؤتمر الذي يشرف بانعقاده على صعيد أم القرى مهبط الوحي بخاتم الرسالات السماوية على الرسول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وفي أفيائها القدسية بجوار البيت العتيق والكعبة المشرفة.
وإنكم لتجتمعون اليوم على أمر جلل يهدد أمتنا الإسلامية والعالم أجمع بعظيم الخطر جراء تغول الإرهاب المتأسلم بالقتل والغصب والنهب وألوان شتى من العدوان الآثم في كثير من الأرجاء جاوزت جرائمه حدود عالمنا الإسلامي متمترسا براية الإسلام زورا وبهتانا وهو منه براء.
وفضلا عن الخسائر الفادحة في الأرواح والبنيان والشتات وتقسيم الأوطان فإن الخطر الأعظم على أمتنا أن هؤلاء الإرهابيين الضالين المضلين قد أعطوا الفرصة للمغرضين المتربصين بالإسلام حتى في الدوائر التي شجعت هذا الإرهاب أو أغمضت عينها عنه أن يطعنوا في ديننا القويم الحنيف ويتهموا أتباعه الذي يربو عددهم عن المليار ونصف المليار بجرم هذا الفصيل السفيه الذي لا يمثل الإسلام من قريب أو بعيد.
وقد سوغت جرائمهم المنكرة تجريد الحملات العدائية ضد الأمة ودينها وخيرة رجالها وترويج صورة الإرهاب البشعة في أذهان الكثير من غير المسلمين على أنها طابع الإسلام وأمته وتوظيفها لشحن الرأي العام العالمي بكراهية المسلمين كافة واعتبارهم محل اتهام ومصدر خوف وقلق فضلا عن الحرج والارتباك الذي تعرضت له الدول الإسلامية ومنظماتها وشعوبها أمام الدول والشعوب التي تربطها بنا علاقات تعاون حيث كادت هذه العلاقات تهتز وتتراجع في إطار موجة من الضيق بالمسلمين والتحامل عليهم جراء هذه الجرائم الإرهابية الأخوة الأكارم..
المملكة العربية السعودية كما تعلمون لم تدخر جهدا في مكافحة الإرهاب فكرا وممارسة بكل الحزم وعلى كل الأصعدة, فعلى الصعيد الوطني تصدت أجهزتنا الأمنية للإرهابيين بلا هوادة ولم يتوان رجالها البواسل عن ملاحقتهم وتفكيك شبكاتهم وخلاياهم في مهدها وبذلوا أرواحهم في سبيل ذلك وكذا تشارك قواتنا الجوية في التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب.
كما تصدى علماؤنا الأفاضل بالرد الحاسم على ما يبثه الإرهابيون من مسوغات دينية باطلة يخدعون بها الناس وبينوا تحذير الإسلام من العنف والتطرف والغلو في الدين وتحزيب الأمة والخروج على ولاة أمرها وأن الوسطية والاعتدال والسماحة هي سمات الإسلام ومنهاجه القويم وأن من حاد عن هذا المنهاج لا يمكن أن يخدم الأمة ولا يجلب لها إلا الشقاء والفرقة والبغضاء.
وأسهم الباحثون لدينا في الجامعات وغيرها بتقديم بحوث ودراسات رصينة عن ظاهرة الإرهاب وتحليل أهداف الجماعات الإرهابية ووسائلها وخططها وإبراز أخطارها الجسيمة على المجتمعات وكشف صلتها بالمخططات العدائية للأمة وكيفية تسخيرها لتنفيذ تلك المخططات عن علم أو عن غفلة وغباء.
وقامت مؤسساتنا الإعلامية المتنوعة بتعرية الإرهاب وتسليط الضوء على جرائمه وتنظيماته وشخصياته وكشفت للناس عن سلوكهم وأهدافهم وأساليبهم في إغواء الأغرار واستقطابهم.
وعلى الأصعدة العربية والإقليمية والإسلامية وضعت المملكة يدها في أيدي الأشقاء لمواجهة الظاهرة الإرهابية أمنيا وفكريا وقانونيا وكانت هي الداعية إلى إقامة مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية يدرأ الفتن ويجمع الأمة بكامل أطيافها على كلمة سواء.
كما عملت المملكة على مكافحة الإرهاب مع المجتمع الدولي من خلال المؤتمرات والمحافل والهيئات الدولية وكانت هي الداعية لإنشاء مركز الحوار بين إتباع الديانات والثقافات والمؤسسة والداعمة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب بالتعاون مع الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من تحقيق هذه الجهود وغيرها في الدول الإسلامية نتائج جيدة إلا أن الإرهاب ما زال يعبث بجرائمه هناء وهناك خاصة في الأوطان العربية والإسلامية التى تعرضت لاهتزازات وقلاقل.
الأخوة الأفاضل..
أمام هذا الخطر الداهم الذي يتمدد وتتداعى آثاره وتتنامى شروره يوما بعد يوم وتستعصي مواجهته الحاسمة فرادى وإدراكا من المملكة العربية السعودية لواجباتها ومسؤولياتها تجاه أمتنا الإسلامية جاءت رعايتي لعقد هذا المؤتمر في إطار رابطة العالم الإسلامي لتشكيل منظومة إسلامية جماعية تتصدى لتشويه الإرهاب صورة الإسلام والمسلمين في العالم وتدرأ خطره العظيم على كيان أمتنا الإسلامية بل وعلى العالم أجمع بوضع خطة إستراتيجية فاعلة نلتزم بها جميعا لمكافحة هذا الداء الوبال الذي هو صنيعة الفكر المتطرف لهؤلاء الجهال والعملاء واستلاب ساحة الفتيا الشرعية من غير أهلها ولي عنق النصوص الأصيلة لخدمة أغراض أصحاب هذا الفكر الدنيوية وتهييج مشاعر النشء والعامة واستدرار عواطفهم الدينية بمبررات ما أنزل الله بها من سلطان.
وإني إذ أثمن عاليا تجاوب هذه القمم الفكرية الإسلامية للدعوة وتداعيها إلى هذا المؤتمر بعلمها وخبراتها وإخلاصها لقضية الأمة الراهنة أؤكد لكم أن أمتكم الإسلامية وكل شرفاء العالم على ثقة تامة بأن تصدر عن مؤتمركم الموقر نتائج عملية تعطي دفعا منظما وقويا للجهود المبذولة على مسار التصدي لهذه الظاهرة الدخيلة على عالمينا العربي والإسلامي وتقطع الطريق على الذي يستغلون هذه الآفة لخدمة أغراضهم ومآربهم على حساب مصالح أمتنا وأمن شعوبها واستقرار دولها وازدهار أوطانها , وأن تؤسسوا لبرامج ومشاريع تتعاون فيها إعدادا وإنجازا كافة الجهات الرسمية والشعبية في عالمنا الإسلامي تسهم في رفع مستوى الوعي لدى الأمة بأخطار الإرهاب وأضراره وبسلبيات التقاعس عن التصدي له أو اتخاذ مواقف حيادية منه, وبيان أن ذلك يطيل في عمره ويثقل كاهل الجهات القائمة على مواجهته, وأن على الجميع أفرادا ومؤسسات مضاعفة جهودهم في مواصلة مكافحة الإرهاب فكرا وسلوكا ومحاصرة الإرهابيين حيثما ثقفوا والتحذير من تقديم أي عون لهم أو أي من ألوان التعاطف معهم.
الحفل الكريم..
أختم بالشكر لكم جميعا ولرابطة العالم الإسلامي بقيادة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ رئيس مجلسها الأعلى وأمينها العام الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي على ما تقوم به من جهود مباركة في معالجة قضايا الأمة المعاصرة وعلى رأسها قضية مكافحة الإرهاب ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال والحوار التي يدعو إليها ديننا دين الرحمة والسلام والأمن والأمان، سائلا المولى جل وعلا لمؤتمركم التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته«.
آل الشيخ يحذر من خطر الإرهاب على العالم
حذر مفتي عام المملكة، رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء رئيس المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ من خطر الإرهاب على مختلف دول العالم الإسلامي وغير الإسلامي، مؤكدا أن الأمة في أمس الحاجة إلى تعاليم الإسلام وأخلاقه الفاضلة، لافتا إلى أن عقد الرابطة مؤتمر مكافحة الإرهاب يدل على سعيها للإسهام في الدفاع عن الأمة وحماية دينها وعقيدتها، وأن هذا الإرهاب مشكلة عويصة لا تخص مجتمعا بل عمت كثيرا من الدول.
وأكد المفتي في افتتاح المؤتمر أن الإسلام هو الذي يخلص من المشاكل ويقضي على هذه الآراء والمواقف الخاطئة، وأن دين الإسلام دين الفطرة والرحمة والرأفة والمحبة والسلام، وحذرهم أيضا مما يسبب ترويعهم وإخافتهم، مشيرا إلى أن الإرهاب جريمة عالمية وأن الواجب مكافحته والتحذير منه وتصوير أخطائه والتحذير منه.
وأكد آل الشيخ أن اجتماع المسلمين على هذا الموضوع العظيم ومحاربته والتضييق على أهله أمر مطلوب أمنيا وفكريا، لأن هذا الموضوع إذا ترك وشأنه تسبب في شر كثير والمسلمون هم أولى الأمم بذلك، وقال: إن المملكة ونظرا لأن تعاليمها نابعة من تعاليم دينها وتحكيمها للشريعة والتحاكم إليها هي أولى الدول لمحاربة الإرهاب والبراءة منه، وإن رابطة العالم الإسلامي في بيانات مختلفة كلها حذرت من خطر الإرهاب، والمملكة تسلك مسلكا وسطيا يتسم بالعدل والوضوح.
خطة شاملة لمكافحة الإرهاب إسلاميا وخارجيا
أعلن الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبدالله التركي أن المؤتمر العالمي لمكافحة الإرهاب يركز من خلال مناقشات نخبة من الشخصيات المتميزة المتابعة للشأن الإسلامي وقضايا الأمة، على الجوانب العملية في البرامج والخطط، أملا في وضع خطة شاملة لمكافحة الإرهاب في العالم الإسلامي وخارجه.
ولفت التركي في افتتاح المؤتمر إلى أن عددا من الدول الإسلامية وغير الإسلامية خاضت تجربة مكافحة الإرهاب، واكتسبت كل دولة خبرة نوعية في المعلومات والممارسة ويمكن وضع هذه التجارب في ميزان التقويم للاستفادة من الصالح منها والملائم لبيئة المسلمين والمتوافق مع ثقافتهم، على مسار البحث عن إستراتيجية شاملة متكاملة في هذا المجال.
وأكد التركي أن تجربة المملكة، فذة ورائدة في هذا المضمار، تحتوي على رصيد وافر من الخبرة والنجاح، وقد توفرت فيها الشمولية في الوسائل والأساليب، والانطلاق الإسلامي في الرؤية والمنهج.
وعدد التركي المحاور الذي تميزت بها المملكة في مكافحة الظاهرة الإرهابية ومنها المحور القضائي، باعتماد العقوبات المغلظة لممارسة الإرهاب والانتماء لجماعاته واعتماد عقوبات مناسبة ومحور التوعية الشرعية، بتعزيز منهاج الوسطية والاعتدال التي يتميز بها الإسلام، وتصحيح الأخطاء في المفاهيم والتحذير من الغلو في الدين والتعصب الطائفي وإيجاد برامج لعلاج الانحراف الفكري ومحور الاهتمام بوسائل التربية بتوجيه النشء توجيها سليما محصنا من الانحراف الفكري وعناية وسائل الإعلام والثقافة بتوجيه الأسرة للعناية بأفرادها ومراقبتهم فكريا وسلوكيا وتوعية المجتمع بمخاطر الإرهاب وأضراره.
وشدد التركي على أن الرابطة تركز اهتمامها على المنطلقات الفكرية التي يستند إليها الإرهاب والتعاون مع مختلف الدول والهيئات والشخصيات المهتمة به ودعت إلى مواجهة ظاهرة الإرهاب بحزم وحكمة، وبطريقة تعاونية تنسق فيها جهود الحكومات والمنظمات والهيئات الرسمية والشعبية ووسائل الإعلام والتثقيف المختلفة.
الطيب يدعو لمؤتمر سلام بين المسلمين
طرح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب على حضور المؤتمر العالمي لمكافحة الإرهاب بمكة المكرمة أمس عقد مؤتمر سلام شامل للخروج بإقرار سلام فيما بين المسلمين، بمختلف مذاهبهم ومشاربهم، يتم فيه استثمار الثوابت المشتركة التي يجتمع عليها المسلمون، ليتآخوا حولها، ونتلاقى في رحابها، لمواجهة ما أسماه مخططات دولية كبرى تستهدف العرب والمسلمين وتريد أن تشتتهم في بلادهم وتصوغهم صياغة أخرى تتفق وأحلام الاستعمار العالمي الجديد.
وعبر الطيب الذي ألقى كلمة ضيوف المؤتمر في الجلسة الافتتاحية، عن أمله في إقرار مناهج دراسية تعنى بتصحيح المفاهيم المغلوطة والملتبسة حول قضايا شغلت الأذهان والعقول، لافتا إلى أنه علينا أن ننسى خلافاتنا التي لم نجن من ورائها إلا الضعف والذلة والهوان.
وترحم شيخ الأزهر على خادم الحرمين الشريفين، الملك الراحل، عبدالله بن عبدالعزيز، وجدد التهنئة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لافتا إلى وقفة المملكة مع مصر ودعمها الأزهر الشريف وريادتها في نصرة قضايا العرب والمسلمين.
وأكد الطيب أن جماعات العنف والإرهاب نبذت حكم القرآن الكريم والسنة وراء ظهورها، واتخذت من الوحشية البربرية منهجا ومذهبا واعتقادا.
وشدد الطيب على أنه لا أمل في أن تستعيد الأمة الإسلامية قوتها ووحدتها ما لم نحكم السيطرة التعليمية والتربوية على فوضى التكفير، موضحا أن التكفيريين قطعوا الرؤوس وأحرقوا الأسرى أحياء وقتلوا العمال الآمنين في بلاد الإسلام بناء على اعتقاد خاطئ زائف.
الشريعة مطلب المسلمين للتخلص من قوانين الاستعمار
أكد المشاركون في الفعاليات المسائية للمؤتمر العالمي لمكافحة الإرهاب أن تطبيق الشريعة الإسلامية مطلب المسلمين جميعا للتخلص من قوانين التخلف والتمزيق التي فرضها الاستعمار.
وحملت ورشة العمل الأولى مساء أمس عنوان: تطبيق الشريعة والحكم الإسلامي الرشيد، بإدارة مستشار خادم الحرمين الشريفين وإمام وخطيب المسجد الحرام الدكتور صالح بن حميد، حيث لفت أستاذ أصول الفقه بجامعة أم القرى الدكتور محمد السعيدي أن هدي الإسلام واضح وبعيد عن نهج القتل والإرهاب والتشريد، مشيرا إلى أن من أشد أسباب الإرهاب تراجع بعض الشباب عن أصول الدين.
من جهته أوضح مدرس الفقه بوزارة الأوقاف بالكويت الدكتور فراج المطيري أن المسلمين بحاجة إلى الحيطة والحذر واليقظة، لافتا إلى أن المطالبة بتطبيق الشريعة ليست حكرا على جماعة أو طائفة، وإنما هي مطلب جماهيري للتخلص من المناهج والقوانين غير الإسلامية التي كانت أداة تمزيق فرضها المستعمر، وتطبيقها يورث مزيدا من التخلف، ويقتل الإبداع.
وعلى صعيد الجلسات العلمية، ترأس الأولى مفتي لبنان الشيخ عبداللطيف دريان، وتحدث فيها الدكتور محمد البارودي عن تعريف الإرهاب من خلال الرؤية الشرعية، محذرا من الانسياق وراء الأفكار التي تشكك في نصوص الشرع، فيما تحدث الأمين العام لمركز الملك عبدالله للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، فيصل بن معمر عن مفهوم الإرهاب في المنظور الدولي، وأهمية العمل على تبرئة الدول الإسلامية من تهم الإرهاب.

