نقلت وكالة الأنباء السعودية خبرا يفيد بإصدار المحكمة الجزائية المتخصصة أحكاماً ابتدائية بحق ثلاثة مدانين يمتهنون المحاماة، بعد إدانتهم بعدة تهم منها الافتيات على ولي الأمر وازدراء القضاء والتدخل في استقلاليته والقدح في جهاز العدالة والقضاء ووصف القضاء بالتخلف والنيل من القضاء الشرعي وانتهاك سيادته من خلال تغريداتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكل هذا من شأنه المساس بالنظام العام، وغير ذلك من تهم.

وأنا هنا طبعا أريد أن أوضح أن ثمة لبسا حصل في القضية، وهذا اللبس من شأنه ربما لو تبين لأخذ في الاعتبار في الاستئناف طالما أن الحكم ما زال ابتدائيا. فنحن نعلم أن وزير العدل قد كلّف برئاسة مجلس القضاء الأعلى بأمر ملكي - كما ينص النظام - وهذا التكليف هو الرابع من نوعه في تاريخ القضاء السعودي، حيث عُين الشيخ محمد الحركان وزيراً للعدل ورئيساً للمجلس الأعلى للقضاء في عهد الملك فيصل – رحمه الله -، وكُلف الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ برئاسة مجلس القضاء الأعلى مع وزارة العدل في عهد الملك خالد – رحمه الله -، وكذلك الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير كلف أيضا مع الوزارة برئاسة المجلس في عهد الملك فهد – رحمه الله -. والآن وبعد الزيادة السكانية والانفتاح الإعلامي وتدشين مشروع الملك عبدالله لتطوير القضاء، أصبحت مناقشة الشأن العام من الشؤون البديهية في وسائل الإعلام وبين الناس، فمشروع تطوير القضاء يحاول تحسين عدة جوانب كزيادة عدد القضاة بغية عدم تكدس القضايا وسرعة البت فيها، وزيادة عدد المحاكم وتصنيفها ومستوياتها. هذا التطوير يشمل وزارة العدل ومجلس القضاء، لكن لكلٍ اختصاصه، فمثلا زيادة عدد القضاة يعنى به مجلس القضاء، وتحسين الخدمات وتهيئة البيئة والجوانب الفنية من شأن وزارة العدل. وكما هو معلوم بأن مجلس القضاء الأعلى يمثل رأس السلطة القضائية ووزارة العدل هي جزء من الحكومة (السلطة التنفيذية) والسلطتان القضائية والتنفيذية منفصلتان تماما عن بعضهما بعضا بالإضافة إلى السلطة الثالثة وهي السلطة التشريعية والتي يمثلها البرلمان أو مجلس الشورى المعني بإصدار القوانين واللوائح والأنظمة. لكن بما أن وزير العدل (عضو في الحكومة) هو رئيس مجلس القضاء الأعلى (السلطة القضائية) فقد أصبح مشروع تطوير القضاء متداخلا، وأصبح النقد البناء الموجه لوزارة العدل يفهم بأنه موجه لمجلس القضاء الأعلى والعكس، وهذا قطعا أدى إلى لبس كبير في القضية، فمثلا من ينتقد هدر المال العام وكثرة الإنفاق في وزارة العدل لا يعني هذا بالضرورة التشكيك في القضاء أو الطعن في استقلاليته، وكذلك بالنسبة للتذمر من قلة عدد القضاة لا يفهم قطعا أنه افتيات على ولي الأمر. فالذي لاحظته أن عددا من التهم وجهت للمحامين الثلاثة هي في الأساس نقد بناء موجه لوزارة العدل ولا علاقة له بنزاهة القضاء أو استقلاليته. أما التهمة المتعلقة بانتقاد دعم الحكومة لدولة مصر فهذه حشرت في القضية ولا علاقة لها بالموضوع من قريب أو بعيد، وكان حريا بوزارة العدل أن تترفع عن ذلك وتتحلى بروح الخصومة الشريفة. بقي أن أقول كلنا أسرة واحدة في بيت واحد، والنزاع والخصومة المبني على سوء الفهم ينتهي بالحوار وسرعة الاستفادة من النقد البناء حتى لا تتحول الخصومات الشخصية إلى قضايا شأن عام يتحدث عنها الجميع.