«الأصالة» و«الخصوصية» وما يشبههما من المفاهيم التي تقصد الوصف لمعطى فكري وثقافي في حدود ذاتية نقيّة من أي اقتراض أو استعارة أو هجنة... مفاهيم واهمة وغير واقعية؛ فلا أحد يبدأ من الصفر وكل بداية هي اندراج في سياق وبناء من خلال علاقات. وأتصور أنه لا يوجد أكثر إفقاراً للفكر والثقافة
ولا تسطيحاً لهما من مثل محاصرتهما بمثل هذه المفاهيم وصلبهما على متاريسها المنغلقة والجامدة. كل فكر ذي قيمة هو انفتاح على غيره من الأفكار وليس انغلاقاً على أوهامه الذاتية. الفكر ينمو من خلال الاقتراض ويخصب بالتهجين. ومن المنطقي أن تتصف ثقافة هذا البلد أو ذاك المجتمع أو ذلك المثقف أو المفكر بخصائص مائزة أو صفات خصوص من منظور أو آخر، لكن هذه الحالة هي نتيجة وليست شرطاً، ومرحلة وليست تأبيداً.
حين نجمع بين دلالة الأصالة والخصوصية بالمعنى الذي يعطفهما على معنى إيجابي، ويردف أحدهما بالآخر في الدلالة على الامتياز والقوة، فإن من نقيض هذا الامتياز والقوة الانغلاق على الذات، لأن من يفعله هو ضعيف وخائف والضعف والخوف معا دلالة مناقضة للقوة وللامتياز. وبالطبع فإن الاحتماء بمفاهيم الأصالة والخصوصية وما يشبههما هو رغبة في الاستعصاء على التغير والتطور والتفاعل من أجل حماية المقومات الثمينة للذات، المقومات التي تتركز فيها هويتها وذاتيتها، ولكنها حماية تُضعِف الذات بما يؤدي إلى إهدار مقوماتها الثمينة تلك، والاجتياح لها. وإلى ذلك فإن دعوى الأصالة والخصوصية الطافحة بالنرجسية تؤول إلى سلوكيات ونوازع تقدِّس الجهل وتحقر الأمم والشعوب الأخرى، وهاتان صفتان لا تنفكان عن تأصيل الاستعداء للآخر في الذات، ومن ثم إنهاك الذات واستنزافها في جهتين: صد العدوان الأجنبي، وتثبيت الذات ومكافحة الزمن.
كانت بداية ما اصطُلح عليه «عصر النهضة» العربية الإسلامية ونقطة انبثاقه، في تكشُّف أوروبا عن تطورها وقوتها أمام نخبة علماء الدين والمفكرين والساسة العرب والمسلمين. لأن الإدراك لتقدم أوروبا لا يكون إذا لم يتقارن بالإدراك للتخلف العربي الإسلامي، أي للذات التي يتمثلها الأفراد في ذاتية كل منهم، فهو الإثبات الذي نفهمه باختلافه عن النفي، والإيجاب الذي لا إمكان للوعي بقيمته دونما تصور للسلب المقابل له. ولذلك لم يكن وعي النهضة في الإدراك لتقدم أوروبا فحسب، بل في اكتشاف مقدار التخلف في الذات، وهذه النقطة تحديداً هي مفتاح وعي النهضة. لكن سيرورة الوعي العربي الإسلامي انقسمت بعد ذلك إلى تضاد بين وجهتين: ترى إحداهما أن تقدم الذات هو بالعودة إلى القديم، ولا تقف عند ذلك بل تحتشد ضد «الغرب» وضد المعجبين به والداعين إلى الاستنارة بتقدمه، وترى الأخرى التقدم الحديث صناعة غربية خالصة، ولا معدَّى لنا إن أردنا التقدم من التعلم عليه والإفادة منه.
الحل بين هاتين الوجهتين هو في نقض التقابل الحدِّي والتراتبي بينهما فالتضاد والتقابل بينهما توهُّم لا أساس له ومفهوم قائم في الذهن لا في الحقيقة، وقليل من التفحص يرينا أن أحدهما في حاجة إلى الآخر ومشتمل على بعض ما فيه، وأن الواقع لا ينحصر في المفاهيم التي نحمله عليها، ونحملها عنه.

