يكاد يجمع المحللون على أن (الربيع العربي) هو في حقيقته ربيعٌ للإسلاميين؛ إذ فازوا بأول انتخابات أجريت في تونس ومصر، وأصبحوا الشريك الرئيس في السلطة في اليمن، وكان لهم نصيب الأسد في الثورة المسلحة في ليبيا وسوريا، وكانت التوقعات أن يظَلَّ وجودُهم في السلطة لعقدٍ من السنوات على الأقل، وربما كان هذا التَّوقُعُ - يضاف إليه الخوف من عدوى الديمقراطية - من أقوى الأسباب التي دفعت القوى المضادة للثورة داخليا وإقليميا للتآمر على تلك الثورات، وقد جاءت نتيجةُ انتخاباتِ تونسَ الأخيرة مخالفةً لتلك التوقعات؛ حيث خسر حزبُ النهضة المركز الأول لصالح حزب نداء تونس، فهل خسر الحزبُ لأنه إسلامي أو لأمرٍ آخرَ؟
ليس بين أيدينا استطلاعٌ للرأي العام التونسي في هذه القضية، لكن يمكننا تَـلَمُّسُ بعض الحقائق من واقع المجتمع التونسي، فمما قد يكون إشارةً إلى أن تَـبَنِّي المشروعِ الإسلامي هو سببُ خسارةِ حزبِ النهضة أن المجتمعَ التونسيَّ قد قطع شوطًا طويلا في التحديث؛ إذ كان بورقيبة مناضلا يملك رؤيةً تحديثيةً، وهذا ما دفعه بعد الاستقلال وتسلمه السلطة لفرض مشروع تحديثي على الشعب بقوة السلطة، من خلال مناهج التعليم، وسن القوانين، وهذا أدى لنجاح السلطة في ترسيخ هذا المشروع على امتداد نصفِ قرنٍ، مما خلق تيارًا واسعًا يتبنى الحداثة، وكان فوز حزب النهضة في انتخابات 2011م صادما لذلك التيار؛ لأن مشروعَ الحزبِ الفائزِ النهضةِ يهدِّدُ المكتسبات الحداثية في مجالات التربية والتعليم وقضية المرأة والفن والسياحة وغيرها من المجالات، وهذا ما دفعَ أنصارَ هذا التيارِ للاصطفاف خلف حزب نداء تونس وفقًا للشعار الذي أطلقه بعض مناصري الحزب (عدم التصويت لنداء تونس معناه التصويت للنهضة)، ومنها -أيضًا- تنامي الخوفِ لدى طيفٍ واسعٍ من النساء في تونس مما يمثله فوزُ حزبِ النهضة من التخلي عن المكتسبات التي تتمتع بها على الصعيد الاجتماعي وفقًا لمجلة الأحوال الشخصية التي أصدرها بورقيبة عام 1956م، وفي هذه المجلة قانون يمنع الطلاق وتعدد الزوجات، ويسمح بطلب الطلاق للنساء، وينص على الزواج المدني، وقد أثار اقتراحُ حزبِ النهضة إدراج نصٍّ في الدستور جاء فيه: «تضمن الدولة حماية حقوق المرأة باعتبارها شريكا حقيقيا للرجل في بناء الوطن ويتكامل دورهما داخل الأسرة» فكلمة (تكامل) فُهمتْ على أن المرأةَ مكملةٌ للرجل وتابعٌ له، وأنَّ للنهضةَ خطابين: خطابٌ ظاهرٌ مع حقوق المرأة، وآخر خفيٌّ ضدَ هذه الحقوق، وهذا ما أثار ردود فعل واسعة من منظمات المرأة في تونس؛ إذ خرجت عددٌ من المظاهرات للتنديد بمحاولات حزب النهضة هضم حقوق المرأة حسب فهم النشاطات في قضية المرأة، وهذا كله أسهم في أنْ تُـجيِّـرَ النساءُ أصواتهن لحزب نداء تونس لقطع الطريق على حزب النهضة ومشروعه الإسلامي.
فهل هذه الأسباب هي التي جعلت حزب النهضة يخسر الفوز بالمركز الأول بسبب تَـبَـنِّـيهِ للمشروع الإسلامي؟
لا شك أن ثمة تيارًا واسعًا من النخبة المثقفة – وهي نخبة كبيرة في تونس - يرفض المشروع الإسلامي لحزب النهضة، ويرى أن لدى قيادة النهضة مشروعًا إسلاميًّا أشدَّ محافظةً مما تطرحه أمام الجمهور، وأن النهضة تنتظر التمكين التام لتفرض نظاما إسلاميًّا صارمًا يرون أنه سيكون نظاما ظلاميًّا استبداديًّا مخيفًا، لكنَّ كلَّ هذا ليس هو السبب الحقيقي لخسارتها، بل سبب الخسارة هو عدم رضا الناخب الشعبي عن تجربتها في السلطة؛ إذ لم يجد تحسنًا حقيقيا على الصعيد الاقتصادي، وهو ما يهم الناخبَ بعيدًا عن الأيديولوجيا، ومما يدل على أن هذا هو السبب الحقيقي لإخفاق النهضة أن شريكيها في الترويكا الحاكمة، وهما حزبان علمانيان صاحبا مشروع حداثي قد فَشِلا فَشَلًا ذريعًا في هذه الانتخابات فحزب المؤتمر من أجل الجمهورية حصل على 29 مقعدا في انتخابات 2011م، ولم يفز في انتخابات 2014م إلا بأربعة مقاعد، وحزب التكتل الديمقراطي فاز بـمقعدين بدل عشرين مقعدًا في انتخابات 2011م، حقًا إنَّ النخبَ في عالمنا العربي تتصارعُ حول الأيديولوجيا لكنَّ لسانَ حالِ الشعوبِ: (إنه الاقتصاد يا غبي)، وهي الكلمةُ التي جعلها الرئيس الأمريكي كلينتون شعارًا لحملته الانتخابية التي فاز بها عام 1992م.
هل خسر إسلامـيو تونس لأنهم إسلاميون؟
سليمان الضحيان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
