أحاط مئات المحتجين بالقصر الرئاسي مؤخرا، مطالبين بتحسين مستوى المعيشة.
وشهدت الجزائر العديد من المظاهرات المماثلة في تاريخها الحديث الملئ بالاضطرابات، إلا أن شيئا ما كان مختلفا هذه المرة.
إذ بدلا من أن يكون رجال الشرطة هم من يفض المظاهرات، كانوا هم المتظاهروين هذه المرة.


انقسامات عليا

يقول محللون إن المظاهرات غير المسبوقة من جانب الشرطة الجزائرية تشير إلى انقسامات على أعلى مستويات السلطات، وربما تسبق مزيدا من الاضطرابات رغم أن الحكومة تحركت بسرعة لتلبية بعض تلك المطالب.
أيام ثلاثة شهدت احتجاجات رجال الشرطة في بلد تحظر فيه كافة أشكال التظاهرات تأتي في وقت أشعلت فيه صحة الرئيس المتداعية منافسات بين جيش البلاد وأحزابها السياسية.
لا تطالب الشرطة فقط برواتب أفضل ومزيد من المزايا، بل إن ثمة مطلبا سياسيا إضافيا، هو إقالة قائد الشرطة المعين من قبل الرئاسة.
لدى الجزائر الغنية بالنفط أقوى جيش في المنطقة، وهو حليف الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، إلا أن مخاوف طفت مؤخرا على السطح بشأن استقرار البلاد بسبب ضعف قبضة الرئيس على مقاليد الأمور.
فعقب إصابته بجلطة دماغية في 2013 تغيب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة معظم الوقت عن الحياة العامة، باستثناء ظهور قصير للغاية على التلفزيون الرسمي همهم فيه ببعض الكلمات غير المفهومة.


بداية الاحتجاجات

بدأت مظاهرات الشرطة في 13 أكتوبر الحالي في بلدة غرداية جنوبي البلاد، حيث قالت وحدات شرطية إن صبرها نفد جراء أشهر من العمل الشاق للحفاظ على السلم بين تجمعات سكانية من البربر والعرب.
في اليوم التالي انتشرت الاحتجاجات إلى الجزائر العاصمة، وشارك فيها مئات من عناصر شرطة مكافحة الشغب ساروا عبر وسط المدينة واعتصموا أمام مكتب الرئيس.
وانضمت إليهم وحدات من الشرطة المحلية ليبلغ عدد المتظاهرين ألفا على الأقل.
ووقعت محاولات من جانبهم لاقتحام بوابة القصر.
انتشرت التظاهرات إلى مدن رئيسية أخرى في أنحاء البلاد واستمرت ثلاثة أيام في دولة تقضي فيها الشرطة فيها عادة على أدنى إشارة اضطراب أو معارضة.
والأسبوع الماضي أعلنت الحكومة الجزائرية تلبية بعض مطالب الشرطة، ومنها زيادة الرواتب، وخفض ساعات العمل والحصول على مساكن جديدة، إلا أنها تجاهلت دعوات إقالة قائد الشرطة.


حرب خلافة

مع ضعف وغياب الرئيس على ما يبدو، يتنافس الخصوم في الجزائر، وهم الجيش والشرطة والفصائل السياسية، على النفوذ، حسبما قال عالم الاجتماع ناصر جابي، والذي وصف التظاهرات بأنها “خطيرة جدا”.
وقال “ينبع الصراع من التوترات في قمة الدولة وحرب خلافة بوتفليقة”.
بينما ظاهرها الديمقراطية، إلا أن السلطة في الجزائر تقع في أيدي الجيش وشخصيات قيادية في الحزب الحاكم والذين يتوافقون على كيفية توزيع الثروات الهائلة من النفط والغاز في البلاد.
وغالبا ما تتم الموافقة على مطالب زيادة الرواتب أو مساكن جديدة بسرعة من أجل الحفاظ على السلام.
ولكن مع انخفاض أسعار النفط إلى 85 دولارا للبرميل وتراجع احتياطيات الجزائر، فليس من الواضح إلى أي مدى يمكن استئناف هذه السياسة.


نقابة بوليسية

وتتجه الشكاوى الأساسية في جهاز الشرطة ضد ضابط الشرطة الكبير عبدالغني هامل، المدير العام للأمن الوطني الجزائري، والذي يتهمه الأفراد بسوء إدارة الجهاز.
“لم يتم طرح الأمر من الأصل أبدا على الطاولة، لأنها تعود لسلطات الرئيس”، حسبما قال مسؤول أمني رفيع المستوى.
وطالب المحتجون أيضا بتكوين نقابة عمالية، وهو مطلب آخر لم يتم التعامل معه.
من جانبه قال خالد زياري وهو مسؤول شرطي رفيع سابق يعمل الآن خبيرا في مكافحة الإرهاب “طالما بقي بوتفليقة في السلطة، فلن يمس هامل، ولن ترى نقابة ضوء النهار أبدا”.
وأوضح أنه بما أن هامل معين من قبل بوتفليقة، فلن يفصل هامل من قبل الرئيس الذي يخشى أن ينظر إليه على أنه ضعيف أو أنه وضع سابقة سيئة.
وتريد السلطات أيضا أن تحافظ على النموذج العسكري للسيطرة على قوات الأمن، حتى يكون آخر شيء يريدونه هو النقابات.


ممارسات هامل

وقال زياري إنه بالنسبة للشرطة فإن المشكلة مع هامل أنه أتي به من جهاز مختلف - الدرك الوطني، وهو نوع من الشرطة الوطنية شبه النظامية - بينما الشرطة تريد أن يديرها واحد من أبنائها”.
وأضاف زياري “الشرطة لا تريد شرطي درك أو جنديا أو غريبا رئيسا لها.
وضع هامل العديد من الدرك في مناصب رفيعة، رغم وجود الكثيرين بين صفوف الشرطة من ذوي الخبرة لملء المناصب”.
وحذر زياري من أن تجاهل هذه المطالب يمكن أن يزيد من معاناة الشرطة.