«الحرب على الإرهاب» هو الهدف الذي يبدو واضحا ومحددا من العمليات العسكرية التي تجري في الشرق الأوسط منذ 2003، أما «النموذج اليمني» فهو أحد نماذج «العنف الدائم» والحرب المفتوحة للولايات المتحدة التي لا حدود لها في مواجهة هذا الهدف المحدد!
12 عاما من الضربات الجوية (الصاروخية) الأمريكية «بدون طيار» هي عمر «النموذج اليمني»، كما جاء في تقرير «إيونا كريج» على موقع «نيو ستستمان»، تم استحضارها في لحظة واحدة عندما أعلن الرئيس باراك أوباما الشهر الماضي (11 سبتمبر 2014) عن استراتيجيته في مواجهة تهديدات «داعش».
انفعال إردوغان
«النموذج اليمني» هو أحد نماذج «العنف الدائم» والحرب التي لا هوادة فيها أو نهاية ضد هذا النوع من العنف، وهو صراع يبدو «مبهما» لا أحد يعلم ما هي على وجه الدقة مواصفات الأشخاص الذين تستهدفهم هذه الضربات من الجو (حيث يسقط العديد من المدنيين) ولا ما هي الحدود المسموحة لاستخدام هذه الضربات ولا أين ستنتهي بالقطع!
وقبل أيام (13 أكتوبر 2014) – وفي لحظة انفعال – صرح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأن هؤلاء الذين يشاركون في الضربات الجوية في الشرق الأوسط، لا يسعون للسلام، بل للنفط.
وهو ما نفته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية جين باسكيس قائلة: إن الهدف الوحيد للتحالف وشركائهم هو محاربة التهديد الذي تشكله «داعش».
أما الواقع على الأرض فهو يثبت عكس ما يدعيه إردوغان وباسيكس في آن معا، أن داعش تزداد قوة يوما بعد يوم بدلا من أن تضعفها الضربات الجوية.
كوارث محتملة
لقد كادت الولايات المتحدة أن تفشل في مواجهة إرهاب تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قبل خمسة أعوام، عندما حاول «عمر فاروق عبدالمطلب» في 31 ديسمبر 2009 تفجير طائرة ركاب فوق ديتريوت من خلال عبوة ناسفة زرعت في ملابسه الداخلية، وهنا ظهر واضحا أن «النموج اليمني» على الطريقة الأمريكية فشل فشلا ذريعا وقد يؤدي لاحقا إلى كوارث عالمية أو (11 سبتمبر جديد)، وأن معالجة الإرهاب لن تتم إلا عن طريق التعاون الاستخباراتي الإقليمي - العالمي الذي أصبح ركيزة منظومة العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، التي تقوم على أساس المصالح المشتركة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية.
بعد سعودي
لقد أضافت السعودية بعدا جديدا في معالجة الإرهاب في اليمن هو: الاعتماد على العنصر البشري (المحترف) – وزراعة العملاء المزدوجين - وليس على الأجهزة التكنولوجية أو الأقمار الصناعية فقط، التي أثبتت فشلها في رصد والتقاط صور مثل هذه القنابل، وذلك عندما اكتشفت مبكرا النسخة الجديدة المطورة من «قنبلة الملابس الداخلية» غير المعدنية، والتي حملت وقتئذ بصمات «إبراهيم حسن عسيري».
نجاح الشراكة الأمنية الدفاعية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بدأ منذ عملية التجنيد الأولى التي بدأت في السعودية ثم في الاختراق عالي المستوى لتنظيم القاعدة، وانتهاء بتسليم هذه العبوة الخطيرة للولايات المتحدة، وليس في العمل العسكري المنفرد.
معرفة الأرض
من ناحية أخرى، نجحت الاستخبارات السعودية في الكشف عن طردين مشبوهين كانا في طريقهما من اليمن إلى الولايات المتحدة في 2010، حيث كانت وجهتيهما النهائية مركز عبادة يهودي في مدينة شيكاغو، وأعلن «جون برينان» مستشار البيت الأبيض لشؤون مكافحة الإرهاب وقتئذ عن أن الولايات المتحدة ممتنة للمملكة العربية السعودية لمساعدتها في توفير المعلومات التي مكنتنا من التعرف على التهديد المقبل من اليمن، وأن الطردين يشكلان تهديدا إرهابيا حقيقيا من قبل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، لأنهما يحتويان على مواد حساسة جدا، تهدف إلى التسبب بأكبر أذى ممكن، حيث إن استهداف المصالح الأمريكية هو الهدف المعلن لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
إن معرفة السعوديين العقائدية والخبرة بطبيعة الأرض الجغرافية والاجتماعية (القبلية) والسياسية شديدة التعقيد في اليمن، هما اللذان مكنا القدرات التكنولوجية التجسسية العالية للولايات المتحدة و(التنصت الفضائي والتحليل الكيميائي الفائق من ممارسة مهامه)، عدا ذلك فقد فشل «النموذج اليمني» على الطريقة العسكرية الأمريكية (وحدها) في إحراز أي تقدم في مواجهة الإرهاب سوى تقدم الحوثيين لاعتلاء السلطة في اليمن!
الوجود على الأرض فيصل للحرب
الفيصل في الحرب على الإرهاب هو وجود قوات برية على الأرض، وبدون ذلك سيظل «النموذج اليمني» هو النموذج الوحيد الناجح للحرب بلا نهاية بالنسبة للولايات المتحدة والغرب، وأسوأ النماذج قاطبة بالنسبة للدول العربية وبعض الدول الشرق أوسطية، في الحاضر والمستقل، لجملة أسباب مهمة:
1 - وجود قوات أجنبية على الأرض معناه أن الحرب على الإرهاب يجب أن تكون محددة زمنيا – ولو بشكل تقريبي – وأن تكون محسوبة التكاليف والعواقب حتى لا تواجه الدول المشاركة في القتال الخارجي تساؤلات وانتقادات من قبل شعوبها في الداخل والمجتمع الدولي في الخارج.
2 - تحديد المسؤوليات والأدوار والمهام بدقة حتى يتم على أساسها تقييم الموقف العسكري أولا بأول والمحاسبة والمساءلة القانونية إذا لزم الأمر في نهاية المطاف.
فقد أظهر استطلاع «يوجوف» يوم 4 سبتمبر الماضي أن 16% فقط من الأمريكيين كانوا على علم بأن حكومتهم قد نفذت هجمات بالقنابل الصاروخية على اليمن في الأشهر الستة الماضية، بينما استطاعت واشنطن أن تتهرب بسهولة من إعلان مسؤوليتها عن هذه الغارات الجوية (أو البحرية)، لأنه لا يوجد «ضدها» دليل واحد (على الأرض) يمكن الإمساك به.
3 - لم تنجح الضربات الصاروخية الجوية أو تدريب قوات مكافحة الإرهاب، في مواجهة التنظيمات الإرهابية في اليمن، وإنما العكس هو الصحيح لسبب أساسي وهو أن واشنطن فشلت في معالجة الأسباب الكامنة وراء صعود تنظيم القاعدة في اليمن، وعلى سبيل المثال فقد تزايدت أعداد المؤيدين والمقاتلين في تنظيم القاعدة وأنصار الشريعة (القاعدة في جزيرة العرب) في السنوات الخمس الماضية وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد.
4 - إذا كان صاحب القوة هو آخر من يعلم – كما قال أرسطو – فإن «أنصار الشريعة» قد نجحوا في حل عدد من المشكلات بالنسبة للبسطاء من اليمنيين فيما فشلت فيه حكومة علي عبدالله صالح على امتداد أكثر من عشرين عاما، وحسب سمير مشاري أحد المزارعين الذين أصيبوا بحروق شديدة في غارة أمريكية بدون طيار على بلدته في مايو 2012 ، فقد كانت الحياة أفضل بكثير تحت حكم «تنظيم القاعدة» حتى بدأت الولايات المتحدة حملتها للقضاء على الإسلاميين في 2012، كما تنقل عنه «إيونا كريج» في تقريرها سالف الذكر.
5 - يبدو أنه لا توجد نهاية معروفة حتى الآن «للنموذج اليمني» الفاشل إقليميا وعربيا، حتى مع ارتفاع المشاعر اليمنية المعادية للولايات المتحدة وصعود «الحوثيين» إلى سدة الحكم في صنعاء وغيرها، إلا مع مغادرة الرئيس الأمريكي منصبه في 2017، ولكن متى ستنتهي معاناة اليمنيين من تطبيق هذا النموذج وكيف؟ وما هي الأثمان الباهظة التي يجب أن يتحملها اليمن (السعيد !) وإلى أي مدى سيستمر عدم الاستقرار في المنطقة؟
6 - المرات القليلة التي نجح فيها الرئيس أوباما على مدى الخمس سنوات الماضية في درء مخاطر (تنظيم القاعدة في جزيرة العرب) – ويا للمفارقة – لم تكن بالمواجهة العسكرية أو باستخدام طائرات بدون طيار، وإنما بالتعاون الاستخباراتي مع أبناء المنطقة وبالتحديد مع المملكة العربية السعودية التي طرحت رؤية مغايرة للنموذج اليمني وسبل مواجهة الإرهاب باستخدام (منهج الوقاية) والفعل الاستباقي وليس رد الفعل الذي يعتمد على التكنولوجيا العسكرية في الحروب غير المتكافئة.

