كنت في أمريكا لمدة سنة. أقمت في لوس أنجلس، في شارع سانست بولفار Sunset Boulevard الذي يخترق المدينة بالطول، من هوليوود حتى المحيط. ودّعت سنة 1999 والقرن العشرين تحت أجمل سماء، عند أصدقاء باحثين في مركز غيتي سنتر Getty Center.

أجد متعة اليوم أن أقص في جمل قليلة قصة هذا الرجل، جون بول غيتي، ربما أفادتنا قليلا. اغتنى غيتي من استغلاله للأسواق النفطية بفضل شركته غيتي للنفط Getty Oil. كان عاشقا للفن القديم، فأسس في 1974 متحفه الأول وسماه باسمه، وكان مخصصا للفن الإغريقي والروماني. كما أنشأ في حياته مؤسسة تحمل اسمه مختصة في الفن البحث المختص. وفي سنة 1997 نقل مقتنياته إلى المتحف الجديد الذي شيده على مرتفعات برينتوود، ويتربع على رأس الجبل. وشق له طريقا بالسكك الحديدية، ينزل من أعالي الجبل، حتى السفح حيث يوجد باركينغ كبير. يضع الزائر فيه سيارته ويصعد بالقطار الكهربائي الصغير مستمتعا بالتأمل واكتشاف الغابات الجبلية. تحفة فنية.
الجميل في مؤسسة غيتي أنها ترعى سنويا جهود الفنانين والمبدعين. وتستضيف سنويا كبار الفنانين والكتاب لقضاء مدة محددة هناك، في ظروف عمل شديدة الرقي والتحضر. المتحف والمؤسسة بكاملها، وكل المرافق المنجزة، تعيش بأرباح ما تركه لها غيتي. وهذا بيت القصيد في هذه القصة. كيف يتحول المال إلى وسيلة لرعاية ما يسهم في رقي البشر وإغنائهم داخليا.
الأغنياء، في العالم العربي كثيرون. يعدون بالآلاف. نحتاج فقط إلى أن يضعوا قليلا من أموالهم في خدمة الثقافة والفن والإنسان، بعيدا عن تدخلات المستعاشين كما يحدث عندنا، ووضع على رأس المؤسسات التي أنشؤوها، أناس جديرين، ويستضيفون أيضا الفنانين والكتاب الموهوبين، خارج المصلحة المالية والأيديولوجية. اعتماد الكفاءات العربية والعالمية يقلل من استعمالها لأغراض قد تضر حتى بالنية الطيبة التي بني عليها الراعي مشروعه. كم تحتاج ثقافتنا إلى هذه الرعاية الحرة، التي ستسمح لبعض الشعاع أن يخترق هذه الغيمة الداكنة والثقيلة التي تنام على سماء العالم العربي وتمنح أبناءه حلما آخر غير كوابيس الظلام واليأس والتقتيل.