مكثت في مكتبتي الخاصة يوما شبه كامل وأنا أطالع نحو عشرة أعداد من مجلة عربية محكمة متخصصة في العلوم التربوية تصدر عن كلية عربية شهيرة في هذا المجال، ولأنني غير متخصص أكاديميّا في حقل التربية واهتمامي بهذا الجانب بحكم تقاطع مهنتي معه، فقد اكتفيت بمطالعة عناوين البحوث في دليل العناوين، كما قرأت مشكلات هذه البحوث، وطالعت في عجلة من الأمر النتائج والتوصيات التي انتهت إليها (نحو 70 بحثا)، وقد كانت البحوث في ذاتها جذابة، وتنم عن جهد مبذول، وجدية في الطرح، وتبدو نتائجها وتوصياتها عملية وواقعية ومفيدة.

لم أكن أطالع هذه الدراسات لأحصل على مادة علمية، أو أجري بحثا في هذا الإطار، وإنما كان الأمر رغبة في القراءة، وقد برز أمامي حينها سؤال مُلِح، وتفرع عن هذا السؤال عدة أسئلة ذات صلة وأهمية بالغة منها: كيف جاءت وأين ستذهب هذه الدراسات؟ وما فائدتها؟ وهل تستفيد منها المؤسسات المعنية؟ وهل استفدنا من التقنية الحديثة لجمعها ورصدها وتوثيقها بالشكل المطلوب ضمن قواعد بيانات خاصة تجعل الحصول عليها في أي زمان ومكان أمرا ممكنا؟
ويوجد إشكال كبير حول البحث العلمي، ابتداء بمفهومه وأدواته ومصير العديد من الدراسات والبحوث فيه؛ حيث تقوم هذه الدراسات بجهد فردي أو جهد مؤسسي، كما يقوم بعضها كمتطلب أكاديمي يتمثل في الرسائل العلمية لدرجتي الماجستير والدكتوراه، فضلا عما تضخه الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات العلمية والثقافية من إنتاج بحثي يتنوع في موضوعاته وطبيعته، ويتفاوت في مستواه وجودته، وفي قربه من الواقع وانطلاقه منه وبعده عنه.
هذا الإنتاج العلمي الهائل للأسف لا يستفاد منه بالمستوى المطلوب، وإن شئت أن تقول إنه لا يستفاد منه عمليّا ومهنيّا فهو كلام صحيح، وتبدو فائدته الكبرى (حسب المفهوم والتطبيق السائدين والمعمول بهما) في كونه مرجعا يستقي منه الباحثون اللاحقون بعض المعارف والمواد والأفكار العلمية ليقدموا بحوثهم أو دراساتهم وتنضم هذه البحوث والدراسات الجديدة إلى هذا الركام المعرفي الذي يُرى ولا يُرى أثره.
وإذا ما نظرنا إلى كثير من الدراسات، منها رسائل الماجستير والدكتوراه، وجدنا أن منها ما يستحق الاحتفاء والاهتمام، وما يستحق أن تطبق نتائجه وتوصياته، ولا سيما في الفروع العلمية التي تمس حاجة الناس وتتصل بحياتهم كمجالات التربية والاقتصاد والإدارة والمحاسبة والتسويق والطب والهندسة وسوى ذلك، غير أن الذي يحدث أنه يُلقى بهذه البحوث في الأدراج لتبقى مراجع علمية فقط، والمحظوظ منها ما يحظى بوسيط إلكتروني يسهم في خروجه للناس، أما أن يتم تفعيل ما توصي به أو على الأقل اختباره وتجريبه فهذا لا يحدث إلا فيما ندر.
إن من الضروري أن تبقى الأهمية المعرفية للبحث العلمي حاضرة، ولكن لا يعني ذلك أن تكون هي الهدف الأول والأخير له، وإن النتائج والتوصيات هي جزء مهم جدّا من أجزاء البحث العلمي، وهي جوهره وثمرته، لكنها أصبحت في العرف السائد لا تشكل أهمية (نفعية حقيقية ذات جدوى وأثر)، في ظل عزوف المؤسسات وفي مقدمتها المؤسسة التي تصدر عنها الدراسة عن تطبيق أو على الأقل قل تجريب هذه النتائج أو التفكير في العمل بهذه التوصيات، ولذا نجد كثيرا من الجهات لا تعوّل على نتائج هذه الدراسات، وحين تضع خططها وبرامجها المستقبلية فإنها لا تنطلق مما وصلت إليه هذه البحوث من نتائج.
إنها ضرورة ملحة أن نعود إلى مراجعة المربع الأول المتمثل في (أهمية البحث العلمي وفائدته)، وأن تتغير لدينا أفرادا ومؤسسات ثقافة وفلسفة البحث العلمي، وإذا ما استوعبنا حقيقة هذا الأمر فإننا سنرى آثار ذلك أمامنا، وسنلمس جدواه، لنغرس في أذهان أجيال المستقبل أن البحث العلمي يعني اكتشاف الجديد لتسخير المعرفة لخدمة الإنسان وتحقيق الحياة الكريمة له.