نجد بالمحاورات التلفزيونية خللا عميقا وتشوها كبيرا في أغلب برامجها ومذيعيها، وهذا القول والحكم؛ ليس من باب التعميم وإطلاق الأحكام جزافا؛ بل هو ناتج عن متابعة مستمرة من مواطن عربي لبرامج تزعم أنها حوارية، ولمذيعين يؤدون دور المحاور بفشل ذريع.!

إن ماهية الحوار هي في الأساس استضافة لمسؤول؛ أو دعوة لشخص تميز وبرع في مجال معين، تطرح عليه أسئلة وتساؤلات في مجاله ذلك، مع أسئلة أخرى تتعلق بما يدور حول ذلك الشخص من جدل فكري من معارضيه أو حتى مريديه، مع شرط أساسي بأن يغمر جو الحوار حالة من الأدب الجم، واحترام لأفكار الضيف وطرحه.
إن المتتبع لبرامج تدعي أنها حوارية ولمذيعي تلك البرامج؛ يلحظ جليا غطرسة وصفاقة يمارسها المذيع مع ضيوفه؛ ولسان حاله ينطق بأنه يملك البرنامج ويتحكم في مساره، وليس من حق أحد أن يحاسبه، فضلا عن أن يهمس له بالقول: اترك عنك هذا النوع من البرامج، فإنك لا تصلح له!
وهكذا، وبداعي امتلاك المذيع لبرنامجه يمضي بلا توقف في استفزاز ضيوفه ومشاهديه بحماقة طرح الأسئلة الغريبة، ظنا منه أنه بذلك الاستفزاز يخرج من ضيفه بمعلومات هامة، ويجعله ينطلق في الحديث بلا توقف.!
وهو نهج تتبعه إحدى المحطات على مدى عدة سنين من ملاحظتي لها.
فهل من أدب الضيافة استفزاز الضيف وإخراجه عن طوره، للحصول على الإجابات؟!
وهل تلك هي الطريقة الوحيدة للحصول على المعلومات من الضيوف؟!
ومن أسوأ صفات المذيع وخاصة المذيع المؤدلج بفكرة ما، أن يبقى في حالة تصادمية مع ضيفه طوال مدة الحوار، سواء طالت أو قصرت تلك المدة.
وذلك بطرح السؤال ثم معارضة الضيف باستمرار في كل فكرة يقولها أو إجابة يعرضها.
ويبقى المذيع المسكين -في عقله وأدائه- في حالة من الهجوم المستمر وتسفيه آراء «ضيفه»، بسبب وحيد، وهو أنه من تيار آخر غير تيار سعادة المذيع!
والعكس صحيح تماما، عندما يكون الضيف من جماعة المذيع فكريا، حينها تجد من الأستاذ المذيع الابتسامات العريضة من أول اللقاء إلى آخره، والتأكيد الجازم على صواب إجابات الضيف «الرفيق»!
بل والتماهي التام مع كل فكرة يقولها، بلا مقاطعة أو طرح لفكر آخر يختلف ولو قليلا مع فكر ضيف البرنامج، وحتى من باب إثراء اللقاء.
والحل برأيي يكون بالإنصات للإجابات؛ سواء أعجبت المذيع أم لم ترق له، والرد على الضيف إن كانت هناك أفكار مقابلة لفكرته، أو الرد عليه في حالة التجني والإساءة لأناس آخرين، فيكون لزاما على المذيع أن يقوم بدور ذلك الشخص الغائب؛ مع كثير من التوازن والحيادية في الرد.
وهنا لا بد من تحرير مصطلح الحيادية، فليست الحيادية موافقة الضيف تماما في كل ما يقول، أو بعكس ذلك حين يرفض المذيع كل إجابات الضيف. لكن الحيادية الإيجابية؛ وأنا أفضل هذه التسمية، هي أفضل ما يمارسه المذيع. فهناك مذيعون يتركون ضيوفهم ينطلقون بالمغالطات والأكاذيب؛ دون أن يردوا عليهم بالحقائق.
أما أسوأ صفات المذيعين المحاورين وأكثرها انتشارا، فهي كثرة مقاطعاتهم، وقصفهم لإجابات ضيوفهم تحت أي مبرر كان؛ سواء كان ذلك بداعي قلة الخبرة وانعدام المهنية لدى المذيع، أو لمجرد الغرور الأحمق، وهما من الطباع البشرية السيئة، وفي المذيعين أسوأ وأقبح!
ولو كنت مذيعا لعملت مع فريق الإعداد على اختيار الشخصيات التي لديها ما تقوله، وتثري به وقت البرنامج والمشاهد. ولن تغريني الأسماء الكبيرة اللامعة، مع وافر الاحترام للجميع، لكن ليس كل مشهور لديه ما يقوله وينتفع أو حتى يستمتع به المتابع. بل إن في الظل الكثير من الأسماء المجهولة ذات الفائدة العلمية والمتعة الفكرية.
وهنا تأتي عبقرية المذيع وفريق إعداده؛ باستدعاء تلك الأسماء من عزلتها الاختيارية، مع محاولة الإقناع المتكررة بالحضور. ولا مانع من الاتفاق مع أولئك الضيوف في محاور النقاش، ومواضيع الحوار المزمع.
ومن بعض السلبيات تفسيرات المذيع التعسفية لإجابات الضيوف، فرغم سطوع الإجابة ووضوحها، إلا أن المذيع يصر على أخذها لمناطق فكرية أخرى، وكأنه يريد من ضيفه أن يجيب إجابة تتطابق مع هواه كمذيع.