لا تكاد تمر فترة من الزمن إلا وتطالعنا الصحف المحلية أو الأجنبية بقضايا مطالبة أبناء بإثبات نسبهم لآبائهم السعوديين أو عودتهم إلى بلادهم بعد وفاة عائلهم.
إلا أنه واعتمادا على آلية التقاضي التقليدية أو بسبب تعنت الطرف «الأقوى»، تظل هذه القضايا معلقة لسنوات طويلة، في حين أن بالإمكان إغلاق هذا الملف سريعا لو تم اعتماد تحليل البصمة الوراثية (DNA).
المفارقة أن 1853 قضية بنوة وإثبات قرابة التي نظرتها المحاكم السعودية خلال العام الماضي، ونحو 7253 فردا ترعاهم جمعية أواصر الخيرية في الخارج، لم تحرك جهات الاختصاص للأخذ بهذا التحليل لإثبات الأنساب أو نفيها!
واقع الحال أن هذه الأرقام، سواء كانت في الداخل أو الخارج، الناتجة عن زواج نظامي أو غير نظامي، لا تمثل كامل الحقيقة، والمؤكد أن هناك أعدادا كبيرة لم تنجح حتى الآن في الإقدام على هذه الخطوة المتقدمة من التعريف بنفسها وبمعاناتها لأسبابها الخاصة.
في ثنايا بحثي عن موانع اعتماد البصمة الوراثية لتحديد الأنساب، توقفت طويلا عند قرار المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة في يناير 2002 بمكة المكرمة، والذي نص على أن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، وأن تقدم النصوص والقواعد الشرعية عليها، كما أنه لا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة في نفي النسب، ولا تقديمها على اللعان، ولا استخدامها بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعا. فيما يمكن الاعتماد عليها لإثبات النسب عند التنازع على مجهول النسب، أو عند الاشتباه في المواليد لدى المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال وأطفال الأنابيب، أو عند ضياعهم واختلاطهم بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب.
الأكيد أنني لست بفقيه أو طالب علم لأميز الفرق الشرعي بين ما يعنيه نفي النسب أو إثباته، ولكن في ظل الأرقام المتنامية يوما بعد آخر حول قضايا البنوة وإثبات النسب، أتساءل: إذا كان الأخذ بهذا العلم في أحد شقيه مباحا، فلماذا لا يؤخذ به في شقه الآخر؟
أفهم جيدا أنه قد تكون هناك نصوص شرعية تقطع بهذا الأمر، ولكن تاريخنا الإسلامي حافل بالعديد من الاجتهادات الفقهية التي خالفت نصوصا قائمة، كما فعل الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما لم تقف النصوص الثابتة ولا السنة المتبعة عائقا أمامه لتكييف النصوص وفقا لمقتضيات الحال.
ولذلك أرى أن العلماء مطالبون اليوم بعد مرور 12 عاما على فتوى المجمع الفقهي، وتطور العلم في هذا المجال، وتكشف الكثير من الأمور التي قد كانت خافية عليهم في الماضي، بأن يخوضوا جولة أخرى من المراجعة وإعادة النظر، خاصة بعد أن اجتهدت هيئة كبار العلماء وأجازت فحص البصمة الوراثية لطالبي التزود بالهوية الوطنية، انطلاقا من الحفاظ على سيادة الوطن وأمنه.. ألا تحتاج تركيبة الوطن السكانية وتماسكها الاجتماعي اجتهادا مماثلا؟

