التقيته صدفةً مندسّاً بين جُدُرٍ من كُتلٍ بشريّةٍ صاخبة فألفيتُه كائناً حسيّاً بل إنّ له طبيعةً تأسرك إذا ما جلستَ إليه صامتاً.. دنوتُ منه ثم دنوتُ ثانيةً غير أنّي اصطدمت بحاجزٍ منعني مِن أن أتخطّاه أومأتُ إليه بكفي.. فَهِم عني الرغبةَ في الحديث إليه/ ومعه.. انفتحت حينئذ كُوّةٌ في الحاجز السميك بالقَدْرِ الذي أتاحَ لي إجراءَ هذا الحوار والذي تمّ على هذا النحو:
* ظننتُكَ شيئاً في «الأذهان» يصنَعُك الإنسان متى ما شاء أن يقفلَ/ أو يُقفلَ فمه وإذ بي أرانا قبالة: «كائنٍ» يتمتّع بالحياةِ بل إنك لَتُشبهنا كثيراً باستثناء أنه لا لسان لك.. كيف ذلك؟
- الظنّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً ومَن يتأمل جيداً يرى الأشياء على حقيقتها.
* منذ أن كنتُ صغيراً لم أكن أعرفكَ إلا قرين: «الشيطان» أيّ علاقةٍ تجمعكما؟
- وبالضرورةِ أنهم أخبروك أنّ هذا «الشيطان» كان أخرس! هذا افتراء لما تصف ألسنتهم إذ كذبوا علىَّ ذلك أنّهم ما ذكروا إلا وصفاً واحداً في حين أني قرينٌ لـ: «الحكمةِ» غير أنهم ما شاؤوا قرني بها وما عساهم أن يفعلوا ذلك وقد غيّبوا استصحابي: «الخير» فمن لم يقو على قول هذا الأخير «الخير» فالصمت إذ ذاك هو منجاته من قول: «الشر»!.
* أين كانت ولادتك وكم عمرك؟
- ولادتي في ذات الأرض – الأولى - التي أهبط فيها آدم وزوجه ويمكنك أن تعرف عمري على وجه التحقيق من تلك الفترة التي جرى فيها الحوار بين ابني آدم.. أو تدري لعلّني قد ولدت يقيناً أثناء قتل: «قابيل» لأخيه: «هابيل».
* أنتَ إذن كبير بعمر بدء التكوّن البشري.. ومع هذا لا يُرى عليك أثراً إذ لم تزل بعد شاباً.
-الصمت- يا ولدي- متعالٍ على أن يردّ إلى أرذل العمر.. وكلما نضجت أعماركم – وهرمتم - أُبدِلتُم عُمراً آخر وحسبكَ أنّي أسير صمت أعماركم إلى الأبد بمعنى أنكم تشيخون في مقابل أني أتجدّد شباباً.
* إلى أيّ مدىً يُمكن لمن يلتَزمُك أن ينجو/ أن يسلم؟
- صدقني ما من نجاةٍ مطلقةٍ وما من سلامةٍ دائمة ذلك أنّ الأمر موكولٌ لـ: «التجربة».. وحيثما فشلتَ حال صمتك وكان كلامك ترجمةً لصمت داخلك فإنّ أي محاولةٍ تروم إنقاذك تبقى عسيرة بالمرّة.. من هنا يمكن الحسم بأنّ ثمّة نظرية لـ: «السلامة/ والنجاة» الحريّة وحدها هي حجر الزاوية في حجزك عن الوقوع في فخّ السقوط في وهم: «السلامة» إذ قد تكون هذا الأخيرة منوطةً بما هو ضد «الصمت».!
بقية الحوار يتبع....

