خرج علينا المبعوث الدولي إلى اليمن جمال بن عمر هذه المرة من صفحات الفيس بوك بعد أن كان يعقد مؤتمرات صحفية ليقول إنه أنجز «خطوة مهمة»، على سبيل الاتفاق في اليمن، حتى ولو كانت هذه الخطوة هي إرادة طرف من الأطراف المتحاورة التي عمدت سياسة المبعوث الدولي في إدارة الحوار إلى تقوية موقفه على حساب الأطراف الأخرى.
قال بنعمر على صفحته في الفيس بوك الجمعة «تقدمنا هذا الصباح خطوة مهمة على درب إنجاز اتفاق سياسي ينهي الأزمة الحالية».
وهذه الخطوة حسب المبعوث الدولي تمثلت في الإبقاء على مجلس النواب بشكله الراهن، (حسب رغبة حزب الرئيس اليمني السابق لأنه يسيطر على أغلبية مريحة فيه)، وتشكيل مجلس يسمى «مجلس الشعب الانتقالي» يضم المكونات غير الممثلة، ويمنح الجنوب خمسين في المئة على الأقل، وثلاثين في المئة للمرأة وعشرين بالمئة للشباب، ويدمج المجلسان في مجلس واحد هو «المجلس الوطني»، حسب تصريحات راعي الحوار.
وستكون لهذا المجلس صلاحيات إقرار التشريعات المتعلقة بإنجاز مهام واستحقاقات المرحلة الانتقالية.
وإذا كان ما سبق هو اتفاق على شكل السلطة التشريعية في البلاد، فإن السلطة التنفيذية لم يتم التطرق لشكلها ومواصفاتها، ولم يتم التطرق لوضع الرئيس المستقيل عبدربه منصور هادي، ولا للوضع الأمني، لم يبحث وضع المليشيات التي تسيطر على العاصمة صنعاء وغيرها من مدن الشمال، ولم يتم بحث تحكم الحوثيين في إدارة شؤون الدولة، والتعيينات غير الدستورية التي قاموا بها لموالين لهم في أجهزة الدولة المختلفة، وخاصة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية التي يوظفونها للتوسع الطائفي باتجاه الجنوب والغرب والشرق، كما لم يتم بحث مسألة أسلحة الجيش التي نهبوها من معسكراته، وهربوها إلى محميتهم في محافظة صعدة.
لم يتم الالتفات إلى الاحتقان الشعبي، ولا استيعاب أن عشرات الآلاف يخرجون بشكل منتظم للتنديد بالانقلاب، رغم قمع المتظاهرين وتعذيبهم حتى الموت في سجون سرية. كل ذلك لم يتم بحثه، مع أنه هو المشكل الحقيقي، وأي شكل من أشكال الاتفاق لن يكتب له النجاح ما لم يأت على ملامسة القضايا المذكورة.
يبدو لي أن ما سماه بنعمر «خطوة مهمة» جاءت لتلبية رغبات ثلاث: الأولى رغبة بنعمر نفسه في أن يكون هناك اتفاق يحفظ له ماء وجهه مهما كان هذا الاتفاق سيئاً، لأن بوادر الفشل أصبحت تحيط بمهمته من أكثر من جانب، والرغبة الثانية هي رغبة حزب الرئيس اليمني السابق في الإبقاء على مجلس النواب لأنه يحتفظ فيه بالأغلبية، ولا يريد تسليم هذه الورقة، والثالثة رغبة الحوثيين الذين فشلوا في استقطاب أعضاء مجلس النواب إلى مجلسهم الوطني الذي أعلنوا عنه في إعلانهم الانقلابي، وعندما فشلوا في استقطاب النواب للانضمام لمجلسهم الجديد رغبوا في ابتكار مجلس آخر مواز لمجلس النواب، أطلق عليه «مجلس الشعب الانتقالي»، في لعب فاضح بإرادة هذا الشعب الذي يزعم الانقلابيون تمثيله.