معلوم أن السلطة باسم الحزبية الدينية، تشطب كل طيف سواها ولو كان أحسن منها في التقوى. ذلك لأن هذه تعتبر نفسها، مهما فعلت، هي الدين نفسه أو تجسيداً حياً له.
إن ما يُمارس الآن، في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، من قتل وتقاتل لا نظير لهما بين أتباع أي دين آخر؛ إنما هو خراب بحت، يستغل فقدان فضاء الدولة، العام، للمناعة بسبب انهيار الأنظمة السياسية ولا جدارتها، التي أخذت الناس بالبطش وبالشدة ورمت بيوت الناس ومخابزها وجنائزها بالبراميل والقذائف. ويُراد لكل أقطار العرب، أن تصبح أمام احتمالات الصراع وتوقعاته، وبات استقرار أوطاننا هو المستهدف، والأداة هم أهل الغلو من أبناء الأمة. لكن المتحزبين دينياً، إن لم يقاتلوا بعضهم بعضاً، فإنهم يُقاتلون طائفياً أو مذهبياً، وما أكثر هكذا تقاتل، بدأه متطرفو الشيعة في العراق، منذ بداية حكم «حزب الدعوة». ولدينا في سوريا والعراق مثالان على تذابح «الجهاديين» ما ينم عن حقيقة أن المتطرف لا يقبل شريكاً له، حتى ولو كان متطابقاً معه في القناعات. وكأن الإسلام، الذي من بين تعريفاته أنه عنوان الإخاء والسلام الشامل، أجاز لأولئك الشياطين، أن يتذابحوا ويذبحوا ويحرقوا!
في تجربة المسيحيين الكاثوليك، لم تطرح البابوية نفسها بديلاً للدولة ونظامها الدنيوي. كان البابا يطمح لمجرد أن يكون رمزاً يهبُ الشرعية لنظام الحكم باسم الدين، لكن الأباطرة لم يسلموا له بهذا الحق، خلال أكثر من ستة قرون، تقهقرت بعدها المؤسسة الدينية بسبب انقسام الكنيسة والضغوط للإصلاح من داخل الوسط الديني. وكلما انقسم الذين يرفعون راية الحكم باسم الدين؛ كانت ترجح كفة الأنظمة الدنيوية. وبسبب السجال المرير المتمادي، جاءت الثورة الفرنسية، التي نادى منظّروها بشطب الدين بذريعة مارقة، وهي أن الناس لم تعد في حاجة إليه. فالتطرف يجلب تطرفاً مضاداً، ويتأذى الدين من هذا وذاك!
لقد ترسخت فكرة الدولة المدنية في أوروبا، بعد توافق الرأي العام على أن إشهار الدين والتنازع على تمثيله. وهذا هو الذي يذهب بالأوطان، إلى نزاع أهلي مفتوح، لا نهاية له. كانت الوصفة الشافية، أن تنتهي مرة وإلى الأبد، حال التنازع بين الدين والفضاء العام، بوضع الحدود الفاصلة بين الكنيسة والدولة، وتعزيز سلطة هذه الدولة التي يؤيدها جمهور واسع ويستظل بها، فتمنحه المؤسسات الحامية لحقوق المواطنة!
الوضع في العالم العربي، وحيثما المسلمون، بات أسوأ بكثير من وضع أوروبا في القرن السادس عشر. على الأقل، لأن الحديث آنذاك، كان عن كنيسة، بينما الحديث اليوم عن جماعات لا تحترم واحدتها إسلام الأخرى!
كنا، قبل فورة الجماعات، بصدد مؤسسات دينية قائمة، ذات تجربة تاريخية أهلتها للتمييز بين الدين والاجتماع السياسي العام. لكن السلفيين الجهاديين، ومعظمهم جهلة وأقلهم من ضعاف التفقه في الدين نفسه؛ خرجوا على وضعية الوئام والدولة. وفي إيران، التي أصبحت الآن بمثابة قدر مكتوم، في داخله كل عوامل وأسباب انفجار الناس، وإن كانت تبدو في سياساتها الإقليمية ذات بأس شديد ويدٍ طولى؛ بادرت المؤسسة الدينية الشيعية، إلى اقتناص فرصة الانفجار الشعبي ضد الاستبداد وفقدان العدالة، لكي تؤسس دولة متحزبة دينياً، يختزن مرشدوها عقيدة الإمامة المعصومة، فأصبح الإيرانيون بصدد سلطة مستبدة وشمولية، باسم الدين!
في بلادنا، إن لم يرَ المتعاطفون مع الدواعش، شمولية هذه الجماعات واستبدادها الوحشي؛ فإن هذه الجماعات نفسها، تتولى إظهار الحقيقة وتعريف نفسها للعالمين، بجز الرؤوس وإحراق الأحياء والبطش بالناس!
لم يعد ثمة سبيل للخلاص، سوى الاستنارة والحكم المترفق بالناس، الساهر على مصلحتها، ويرفع من مستوى حياتها ويأخذ بها إلى طريق الرشد والفلاح.
الاستنارة طريق الفلاح
عدلي صادق3 دقائق للقراءة

حجم الخط
