من خصوصياتنا السعودية أن ما ينطبق على الجزء، هو بالضرورة ينطبق على الكل، فكي تكون صاحب رأي مؤثرا، يجب أن تكون أكثر الجمهور اندفاعاً وأعلاهم صوتاً وأقلهم منطقية.
فلو أخذنا الرياضة -كجزء من المجتمع- لوجدنا أكثرهم شعبية وممن وصلوا للقب ناقد، أو محلل فني، كانوا هم أكثر الجماهير تعصباً وترديداً للكلمات البذيئة والعنصرية في المدرج، لدرجة أن بقية الجمهور يصمت ليسمع (جرأتهم) في التفنن في شتائم المنافس، والتشكيك بل اليقين بأن الحكم مرتشٍ لا محالة، أي إن التعصب يصنع نجومية تتجاوز نجومية اللاعب وهذا ما جعل وسائل الإعلام تستقطب هؤلاء، ليس لوعيهم بقدر ما يتطلبه سوق الإعلان.
والنجومية هي (مربط الفرس) كما يُقال، إن كان هنالك ثمّة أصائل، والنجومية شيء آخر لا علاقة له بالإبداع أو الوعي، ففي الرياضة -كمثال- يمكن أن تكون نجماً بمجرد أن تكره أي لاعب شهير وتتفرغ للتشكيك به.
لاحظ هنالك من يستفيد حتى من الكُره، فسامي الجابر مثلاً وبعيداً عن مستواه الفني وصل عدد كبير من كارهيه للنجومية، ولا أقول منتقديه، فسامي ناله من ناله وهو لاعب مع فريقه، وهذا قد نجد له مبرراً كون هؤلاء لا يتمنون نجاح لاعب منافس لناديهم، (ولو أنني أجزم لو كان لاعبا نصراوياً لشجعوا الهلال كي يوصلهم كرهه للنجومية)، ثم استمروا على محاربته وهو يلعب في المنتخب.
وهذه أيضاً قد أجد لها مبرراً لأنهم يعتقدون أنه شغل مركزاً، لاعب فريقهم المفضل أحق به، حتى تدريبه للهلال تجد مبرراً لهم كون نجاحه سيكون بالتأكيد ليس لصالح فريقهم.
لكنني أقول (كُرها) وليس (نقدا) عندما يتمنون فشله وهو يدرب فريقا آخر غير منافس بل وغير سعودي!.
المُلفت هنا هو أن هؤلاء أصبحوا قادة الرأي في الوسط الرياضي، ولأننا في بداية المقالة قلنا إن ما ينطبق على الجزء في المجتمع ينطبق على الكل، فإن حالة الوسط الرياضي في المثال السابق يمكن إسقاطها على باقي الأوساط الأُخرى.
فلو أتينا للوسط الثقافي والفكري (مع التحفظ على التسمية)، لوجدنا ذات الملامح السابقة مع تغيير طفيف في شكل المدرج، وتحول اللغة من العامية إلى الفصحى (فصحنة الشتائم)، مع ذكاء حقوقي يتجاوز قليلاً ذكاء مدرج الكرة.
فإن كان مدرج الكرة يُلقي الشتائم العنصرية بشكل مباشر فإن نجوم الوسط الثقافي يرمي كل منهم الآخر بأنه يصفه بالعنصرية ويشكك في نواياه، (المثقفون فريق يجيد التكتل الدفاعي)، وكل فريق يقول إنه يخاف على مصلحة الوطن أكثر من الآخر، رغم أن كل فريق يدّعي أنه يمثل وجهة نظر الحكومة، ويؤلبها على الطرف الآخر الذي يدّعي أنه يحب الوطن والحكومة والناس، ثم نعود لنقطة الصفر من جديد ولضجيج المدرج الرياضي أيضاَ.
لهذا قد أكون مجنوناً (على اعتبار أنني عاقل الآن)، لو طلبت من العقلاء أن يتسيدوا الرأي، لكنني سأكون منصفاً وأطلب من العقلاء أن يتحلوا بالجنون، وقلّة الأدب، كي نسمعكم قبل أن تموتوا أيها (المختشون)!