يمكن القول بسهولة ويسر إنّ القصّة القصيرة فنٌّ جامع من منظور نظريّة الأجناس أو الأنواع الأدبيّة، فهي تشتمل في أصل نشأتها على جملة خصائص منها وحدة التأثير أو الانطباع لدى المتلقي ولحظة الأزمة واتّساق التصميم أو إحكام البناء الفنّيّ الذي يكتمل بالاعتماد على أربعة عناصر، هي: الحدث والشخصيّة والمعنى والحل أو لحظة التنوير.
لذلك تلتقي القصّة القصيرة مع عدد من الفنون القديمة التي تشكّل أصولاً لها في التراث مثل الأسطورة وفنّ الخبر والمقامة. وعدد آخر من الفنون الحديثة التي تُعدُّ من المشابهات لها في العصر الحديث مثل الرواية والمقالة والخاطرة والصورة.
وقد قيل عنها بأنّها أدب البرجوازيّة المأزومة؛ لأنّها تعبّر عن حساسيّة كاتبها من أبناء الطبقة الوسطى في المجتمع، وكاتبها فنّان شديد الحساسيّة، يعاين الحياة من منظور خاص به، وينطلق من روح تُشعره بموقفه المأزوم من الواقع على الدوام، لذا تغتني القصّة القصيرة بالانطباعات الشخصيّة، ولا يميل مؤلّفها إلى تسجيل التفاصيل الممتدّة، ولا يُعنى ببحث حياة الشخصية كما الروائي الذي يشبه من بعض الوجوه الباحث الاجتماعي، فالقصّة القصيرة هي فنّ اللمحة الخاطفة، بحيث تشبه الحكمة أو المثل السائر بالنسبة للخطبة، وهي ذات لغة شعريّة وبناء تخييلي أشبه ببناء البيت الشعري الواحد أو المقطع الواحد في مجرى السرد الشعري على امتداد القصيدة التي قد تناظر الرواية من بعض الوجوه.
كاتب القصّة القصيرة إذن هو فنّان مأزوم يعبّر عن إحساسه العميق بتشظّي الواقع، وعن شعوره الحاد بأزمة الوجود الإنساني، والقيد الاجتماعي، والضغط النفسي الواقع على روح الإنسان المعاصر، فلم يستطع محاكاة الحياة بتمامها كما في العمل الروائي، ولم يستطع بلوغ درجة الشاعر في بناء نصّ محكمٍ لغويًّا وفنيًّا، وقابلٍ لأن يغدو مقطعًا غنائيًّا في النشيد الكوني لهذا الوجود، وهكذا بقي هذا الفنّان يعاني أشدّ المعاناة في رسم الصور واللقطات والمشاهد عبر التشظّي اللانهائي الماثل في حياة الإنسان الحديث.