إذا كان الحديث في المقالة الماضية قد تناول إحدى زوايا بناء الآراء والمواقف، فهو هنا سيكون عاما في جوانب أخرى مرشدة ومعززة للبناء الصحيح للآراء والمواقف، وأول ذلك أن يجعل من النقل (الوحي) المرشد والمرجع الأول له في النظر والتحليل لما يعرض له، فهو البوابة الأولى التي يجب أن تعبرها الأفكار إذا أريد لها أن تكون صحيحة سليمة، ومن المعلوم أن الوحي قد تضمن أصول النظر الصحيح وأسس القواعد الكلية الحاكمة للنشاط البشري أصلا، ودلالات الوحي على هذا المعنى كثيرة لا يمكن استيعابها هنا، وللتمثيل فقط تأمل قوله تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم..).

ثم يأتي بعد ذلك العقل المتأمل الذي ينظر للأمور في سياقها دون تعجل أو تهور، وإنما سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه أي يمنعه عما لا يحسن، فهو يجمع أطراف القضية وينظر لسياقها ومقدماتها ولواحقها ولا يستسلم لما يرد إليه دون تمحيص وتقليب، وقبل أن يشرع في النظر العقلي وفي إعمال الوحي وتحكيمه لا بد له من استكمال البيانات المتعلقة بالموضوع المطروح فلا يتصور أن ينتفع بالنظر الشرعي والعقلي قبل ذلك.
فإذا استقام له ذلك فمن المستحسن له أن يتداول الأمر مع من يظن به فهما وحسن نظر وسابق علم بذات الأمر، ولا بد له أن يتجرد ما استطاع من عوارض الانفعال النفسية والعاطفية المتعلقة بالأمر الذي يتناوله بالنظر ولو كانت وقتية وطارئة، ولهذا المعنى منعت الشريعة القاضي أن يقضي وهو غضبان لأنها حالة اضطراب لا يستقيم فيها النظر، فإذا جمع إلى ذلك على الدوام حالة افتقار وانكسار ودعاء لله بأن يلهمه الصواب وأن يسدد رأيه ويرزقه الفهم، فيخرج بذلك من قدرته وحوله إلى توفيق الله وإعانته فإنه سيكون حريا بموافقة الحق والصواب، ومما يتصل بهذا المعنى الأخير وهو أمر عظيم الأثر على إصابة الإنسان للحق أن يكون حريصا على تقوى الله تعالى في كل أحواله وأوقاته، سالكا سبيلها ما استطاع، قال تعالى (يا أيها الذين أمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) أي نورا تفصلون به بين الحق والباطل.