اعتاد الناس على التهاني بداية العام الهجري، واعتاد آخرون النهي عن ذلك! ويتجدد السؤال كل عام: ما حكم التهنئة بداية العام الهجري؟ والأسئلة خطيرة في قيادة التفكير الشرعي وتوريطه في بعض الأحيان، وهي مؤشر مهم لطريقة التفكير والاهتمامات الدينية، ولذلك مقال آخر بإذن الله.
أما هذا المقال فهو عن هذه المسألة بالتحديد. تعليقًا على السؤال، وطريقةِ الإفتاء، ومضمون الفتوى. أما السؤال عن حكم التهنئة بداية العام الهجري، فله وجهٌ إيجابي جميل؛ حين يهتم المسلم بالحكم الشرعي وتحرِّي الصواب والسُنَّة في الأقوال والأعمال. وله وجهٌ سلبي حين تكون التهنئة والكلمة الطيبة محل تساؤل وتردد!
لقد نقل المفتون تاريخا قديما لهذا السؤال، وهذا يعني أن التهنئة عادة قديمة. لكنهم لم يلاحظوا أن هذه العادة مع قدمها لم تكن محل تساؤل وتردد إلا في القليل النادر. فهذه الأسئلة التاريخية تثبت أنها عادة قديمة، وندرتُها تثبت أن الأغلب لم يكن يتساءل عن حلها؛ باعتبارها عادة مباحة لا تستحق التوقف والتساؤل. فلماذا إذن أصبح السؤال عنها رائجا في زماننا بعدما كان نادرا في الزمان السابقِ، هل هو زيادة في التدين، أو هو طريقة جديدة من التفقه والتوقف تجعل الأصل في الأشياء المنع حتى يرد الدليل على إباحته؟! إن كثرة الأسئلة عن أمور العادات كما تدل على زيادة التدين، فإنها تدل على ضعف التفقه وفرط التشدد.
وإذا شاع التشدد والمنع أصبح المسلم البسيط الحريص على دينه محتاجا للسؤال كلما همّ بخطوة يخطوها أو كلمة يقولها، وكأن الأصل في الحياة هو الحظر والمنع.
أما طريقة الإفتاء فإن خير الفتاوى ما قرر الأصل وبيَّنه، وأبان للمستفتي كيف يتعامل مع هذا السؤال وأمثاله. إن هذه الطريقة في الإفتاء تربط المستفتي بالدليل وليس بالمفتي، وتعينه على معرفة الحكم في المسائل الأخرى، وتعين على ترشيد الأسئلة والاستفتاءات. والسؤال هنا: هل الأصل في هذا الباب الحل حتى يَرِد دليل المنع، أو الأصل فيها المنع حتى يرد الدليل على جوازه ؟ إن بيان هذا المعنى أهم من الفتوى بالحل أو الحرمة، فإنه يضبط المسألة، وينظم عقل المستفتي، ويعين على معرفة الصواب في المسألة.
والتهاني والدعاء والكلام الطيب الأصل فيه الحل، ولا ننتقل إلى المنع إلا بدليل كافٍ. والعام الهجري يذكر الناس بالأعمار، وانقضاء الآجال، وعمارتها بما يحبه الله ويرضاه. ولا بأس في هذه المناسبة أن يدخل المسلم السرور على قلب أخيه المسلم بالكلمة الطيبة والدعوة الصالحة؛ عادة جميلة لا تتوقف على دليل يبيحها. أما إذا وصل الأمر لتخصيصها بعبادة من صوم ونحوه فينهى عن ذلك، لأن الأصل في باب العبادات الحظر حتى يرد الدليل بجوازه. وما يقال عن منع التهنئة احتياطا؛ فإن الاحتياط في التحريم والتشريع إلا ببرهانٍ مبين أولى وأحرى. ويبقى الأصل على حاله في جواز الكلام الطيب، من جنس صباح الخير، ومساء الخير، وكل عام وأنتم بخير.