عشرة أيام دراسة كل يوم ثلاث ساعات تحت أجواء شديدة الحرارة بين أشخاص كثيرين يفوقون الثلاث مئة، وبعد ذاك تأتي بعد واحد وخمسين يوما لتكمل المعاناة بالاختبار.
هذه القصة القصيرة ليست في دورة عسكرية، بل هي في مدرسة القيادة بالمدينة المنورة، محدثكم المسكين قرر بعد استشارات وتحذيرات الدخول والمغامرة، أحدهم قال لي إياك الدخول لهذه المدرسة بلا واسطة تعينك، فإني أعرف أحدهم استخرجها بثلاث ساعات وآخر بثلاثة أشهر! لكني مسكين ليس لدي واسطة ولا أعرف أحدا، فقال بلهجته (الله يعينك يا عبدالرحمن)، تحاملت خطاي الساعة السادسة صباحا، أحسست أنه لا يوجد غيري في الشارع حتى الطيور! ومدرسة القيادة في المدينة بعيدة حيث تبعد نصف ساعة، وصلت إلى مبنى متهالك نعم، فحسب وصفهم لي هذا هو! دخلت رأيت صفوفا كثيرة وطويلة وأناسا كثيرين أصبت بالدوار، فبسبب تعنت إدارة المرور احتكرت مدرسة القيادة في شركة واحدة وهناك شركات كثيرة تتمنى أن تفتح مدرسة قيادة لكن...
عندما دخلت وجدت شباكين للتقديم وخلفهما طوابير لا يرى أولها من طولها، ومعاناتها لو أفردها تحتاج لمقال كامل، فبين ترددك على الشباك الأول والثاني تحتاج إلى ٣ ساعات بالقليل لإنهاء الإجراءات، فوضت أمري إلى الله وخضت المغامرة، إجراءات كثيرة، بعد أن أنهيتها جلست قليلا لكي آخذ قسطا من الراحة فإذا بي أجد الساعة توشك على الثانية عشرة ظهرا، وحدد لي موعد بدء الدراسة عصرا وكان معي أحد الأصدقاء من الجنسية السورية العزيزة قد أعطي موعد للدراسة بعد خمسة وعشرين يوما - بسبب أنه غير سعودي- نظرت إليه وأنا أقول أعانك الله على مشروعك وأعانني معك.
درست كل يوم ثلاث ساعات بموجب يوم نظري وآخر عملي، ونفس الدرس يتكرر يوميا لمدة عشرة أيام دخلت قاعة النظري فإذا بفيلم قديم قد أكل عليه الزمان وشرب يعاد علينا يوميا وآخر تم تجميعه من موقع «اليوتيوب» عن الدفاع المدني والتفحيط!
أنهيت الدراسة، الله أكبر فرجت يا عبدالرحمن! لا معاناة تحت الحر وترقب اسمك تحت أشعة الشمس الحارقة، وركوبك سيارة متهالكة، ونظام قديم وبدائي كان يتعامل به منذ أكثر من نصف قرن، وكراسٍ متهالكة لا تصلح للانتظار فضلا عن الجلوس عليها لمدة ثلاث ساعات، لا أخفيكم كنت قد وضعت تصورا في ذهني أن الاختبار بعد شهر بسبب أقوال الناس، فإذا بي أستلم سندا كتب عليه موعد الاختبار بعد واحد وخمسين يوما! حقًا أصابتني صاعقة من هول ما رأيت! تلكم ثلاثة أشهر لكي أحصل على رخصة، وصديقي المسكين أعتقد أن مشروعه سينتهي بعد خمسة شهور!!
كل هذا بسبب احتكار مدرسة القيادة لشركة واحدة، فهل سيخرج لنا أناس قد تخرجوا وكلهم علم بنظام المرور، أم أنهم سيتذكرون مقاطع التفحيط والدفاع المدني!! هل إذا فتحت الفرصة لإنشاء أكثر من مدرسة قيادة بما أن هذه مزدحمة، سيتضرر قطاع المرور! بالعكس سيخلق فرصا وظيفية، وثقافة مرورية عالية، ويقتصر كل ذلك على أقل من ثلاثة أيام، بدلًا من مشروعي أنا وصديقي الذي يكلف من ثلاثة شهور إلى خمسة! أخبرت بعدها بأني لو ذهبت لأحد المناطق الأخرى سأستخرجها بثلاثة أيام فقط!! فأين العيب؟!
في بريطانيا مثلًا توجد مدارس قيادة وليست مدرسة واحدة في كل منطقة من مناطق بريطانيا! وكذلك في كندا وأمريكا! بولاية سياتل يوجد أكثر من ست مدارس لتعليم القيادة! فأطالب من هذا المنبر إدارة مرور المدينة بفتح أكثر من فرصة لمدارس تعليم القيادة لتوزيع التكدس وللرقي في الخدمة، أما أنا فشارفت على انتهاء مشروعي، وبقيت أحمل هم الاختبار الذي على ما أعتقد أني سأفرد مقالًا في حينه.
لكن من يأتي من بعدي يحتاج هذا المشروع صحبتكم العافية في حلكم وترحالكم.