يبدو أن مشهد العقار السعودي اليوم سيكون مغايرا وبنسبة كبيرة عنه بعد نصف قرن من الآن، وهذا ما دفع البعض إلى التأكيد على أن العقار السعودي يعيش في الوقت الحالي طفرة عقارية بكل ما تعنيه الكلمة، ويعتمد أصحاب هذا الرأي على عدة أدلة ومعطيات، منها أن القطاع العقاري اليوم ينعم باستثمارات يلامس حجمها تريليوني ريال، إلى جانب عدد وافر من الشركات العقارية والمطورين العقاريين وشركات المقاولات الضخمة الراغبة في العمل والإنجاز، إلى جانب وجود وزارة الإسكان التي تتمتع بميزانية ضخمة قوامها 250 مليار ريال، تضخها في مشاريع إسكان في مناطق السعودية كافة.
ويتوقع هؤلاء أن هذه المميزات قد لا تتوفر في المستقبل، لعدة احتمالات، أهمها التهديدات التي تحيط بالنفط، إذ ترى أبحاث علمية أنه سينفد بعد نحو 50 عاما من تحت الأرض، ليس في السعودية فحسب، وإنما في دول العالم، مما سيؤثر على دخل المملكة التي ما زالت تعتمد على موارد النفط في توفير 90% من بنود ميزانيتها العامة.
طفرة العقار تركز على توفير السكن
ويرى المستشار العقاري ياسر عوض أن الطفرة نسبية، وتختلف من وقت لآخر ومن ظروف لأخرى.
ويقول: طفرة العقار التي حدثت في سبعينات القرن الماضي من المستحيل أن تتكرر هي نفسها، وإنما هناك طفرات أخرى، لها مزايا ومواصفات مغايرة لما حدث في السابق، ولا شك أن القطاع حاليا يشهد نوعا من الهدوء والتريث والبطء في حركة البيع والشراء، متأثرا بمشاريع وزارة الإسكان المنتشرة في كل مناطق السعودية، لكن هذا الهدوء لا يعني أن القطاع قد اتجه للركود، إذ يمكن وصف الوضع الحالي بأنه طفرة من نوع جديد، تركز على توفير السكن لمحدودي ومتوسطي الدخل، بميزانية قوامها 250 مليار ريال، والجميل في هذه الطفرة أنه لم يصاحبها تضخم في أسعار العقارات، مثلما حدث في طفرة السبعينات التي ارتفعت فيها الأسعار 500% بسبب الإقبال الكبير على المنتجات العقارية آنذاك، وزيادة دخل الفرد أضعافا مضاعفة.
وأضاف: وتيرة عمل وزارة الإسكان في إنجاز مشاريعها تسير ببطء شديد، ولا أستبعد أن يكون مقصودا من قبل الوزارة، لضمان عدم حدوث تضخم في الأسعار، يرتفع بكلفة الوحدة السكنية من 500 ألف ريال إلى 750 ألفا أو أكثر.
أزمة النفط لن تكرر الطفرة الحالية
ويبدي المحلل الاقتصادي الدكتور سالم باعجاجة تخوفه من مستقبل أسعار النفط وتأثيرها على ميزانية السعودية في المستقبل، موضحا أن الدلائل الاقتصادية تشير إلى أن أسعار اليوم أفضل مئة مرة من أسعار الغد.
وقال: السعودية ما زالت تعتمد على تأمين 90% من مواردها من أسعار النفط وحده، وقبل نحو أربع سنوات، وجه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ بتخصيص 250 مليار ريال لبناء 500 ألف وحدة سكنية، وساعد على هذا الأمر أن سعر البرميل كان حينذاك بنحو 100 دولار، أما اليوم فالسعر وصل إلى 62 دولارا، صعودا من 48 دولارا الشهر الماضي، وبالتالي من المنطقي أن تؤثر الأسعار الجديدة للنفط على ميزانيات السعودية المقبلة، وقد لا تنعم وزارة الإسكان بميزانية مثل التي حصلت عليها أخيرا، وهذا ما يؤكد أن القطاع العقاري يعيش حاليا طفرة حقيقية بمقاييس المستقبل، لتأمين السكن للمحتاجين إليه، وهم الذين تركز وزارة الإسكان على دعمهم سكنيا.
وتابع: أعتقد أن ميزانية وزارة الإسكان، تعد من أضخم الميزانيات بين الوزارات السعودية، ولذلك، الوزارة ليس لديها أي عذر أو مبرر إذا لم تسارع في إنجاز مهمتها على الوجه الأحسن، وحل أزمة السكن في وقت قياسي.
الطفرة الأولى للعقار
وتركزت طفرة العقار الأولى في السعودية في عقد السبعينات، الذي شهد ارتفاعا كبيرا في أسعار النفط عقب حرب 1973، وتبعا لنمو الإنفاق الحكومي الحاد، تدفقت السيولة على القطاع العقاري، لإنشاء المزيد من المدن الصناعية والشركات والمؤسسات، وتسابق المستثمرون آنذاك لضخ أموالهم في مشاريع عقارية، مثل المدارس والمنازل، ومن ثم تأجيرها للراغبين فيها، ومع مراحل الطفرة الاقتصادية التي عاشتها السعودية آنذاك، زاد الإقبال على تأجير المساكن أو شرائها، وتضاعفت الأسعار، وحدث التضخم وبنسبة كبيرة جدا، رفعت من أسعار العقارات الجديدة، وانعكست على الإيجارات.
ويتفق كثيرون على أن طفرة السبعينات من الصعب أن تتكرر بنفس السيناريو، لصعوبة تكرار نفس الأوضاع الاقتصادية التي شهدتها المرحلة نفسها، مشيرين إلى أن الطفرات يتم توصيفها بمقارنة ما تتميز به حاليا، بما كانت تتميز به في فترات سابقة، مؤكدين أن ما يعيشه القطاع العقاري اليوم يعد طفرة حقيقية، مقارنة بتوقعات ما سيكون عليه القطاع في المستقبل.
تغيير سياسة المطورين العقاريين
ستتحرك السوق العقارية السعودية مثلما تحركت أسواق عقارية سابقة في محاولة خفض تكلفة السكن لتحريك السوق العقارية التي ركدت بتضخم الأسعار، وبالتالي تصبح عملية خفض السعر عن طريق عملية خفض متطلبات الوحدة السكنية، فإن كان في السابق 400 متر كأرضية بتكلفة مليون ريال يمكن أن نرى مسكنا بمساحة 200 متر وأرضية بنصف مليون من خلال خفض متطلبات المواطن بالسكن وجبره على التنازل عن بعض الأنماط السكنية السابقة، مثل المساحة أو نوعية البناء وغيرها مما يخفض في الكلفة النهائية لإنشاء وحدة سكنية مقبولة، بمعنى لن يحدث انخفاض للأسعار السابقة، لكن سيطالها هبوط نسبي وعادي قد لا يتجاوز 20% وستظهر في المقابل بدائل سكنية بأسعار معقولة حتى لو لم تكن بنفس المواصفات وقد تتغير أنماط البناء السعودي أي كود البناء ويتم السماح باستخدام بعض الطرق الإنشائية التي هي مطبقة في كثير من دول العالم وما يُسمى بالجدران مسبقة الصنع التي تقدّم انخفاضا كبيرا بالسعر وزيادة في العمر الاستهلاكي وتوفيرا لاحتياجات الطاقة، وهنا يصبح هناك انخفاض حاد في التكلفة الإنشائية لتجهيز سكن مرغوب ويوفر كل المستلزمات السكنية.
ستضخ كميات كبيرة من السيولة لالتهام العروض وبالتالي نجد أن السوق العقارية منتعشة للآخر عكس من يظن أن السوق العقارية ستهبط وسيتم تجاهلها والبحث عن سوق أخرى للاستثمار، حيث بدأ عصر الاستثمار العقاري السعودي على أعتاب طفرة عقارية غير مسبوقة في تاريخ السعودية منذ تأسيسها، لكنها طفرة بنسق مختلف يقوم على نشاط التداولات لا على نشاط ارتفاع الأسعار كما كان في السابق، فالبدائل التي حلت وأراضي الإسكان التي قد تكون خلال سنتين قد وفرت ملايين الأمتار من غير الأراضي الخام التي تم تجهيزها للتطوير العقاري على يد شركات تم شراء أمتارها بأرقام منخفضة.
كان الملاك وأصحاب المساحات والمخططات هم الأوفر حظا لكون أسعار أمتارهم تبدلت وتضاعفت بشكل كبير جدا بعضها تجاوز 1000% عكس قطاع التطوير والإنشاء الذي يكد سنة كاملة وبالكاد يحصل على 30% نظير أتعابه، لكن الطفرة الجديدة ستكون لصاحب التطوير العقاري لكون كثير من شركات التطوير العقاري ستستفيد من عرض وزارة الإسكان التي هي عبارة عن مناقصات تمنح بها وزارة الإسكان لبعض المطورين حق استخدام أراضي الوزارة لبناء أحياء سكنية دون دفع قيمة الأرض للوزارة، وبيعها ضمن هامش ربحي للمقاول.
مما يطرح ملايين الأمتار للتطوير من قبل وزارة الإسكان وستكون مساكنها أرقى من مخططات الملاك البعيدة عن العمران.
من الآن إلى عقد كامل سيكون قطاع التطوير العقاري هو الحصان الرابح بالسوق العقارية مدعوما بسيولة الرهن العقاري وأراضي الوزارة.

