كثير هو ما قلناه منذ سنوات طوال وكثير ما نقوله وسنقوله في كل ما يحدث بنا وحولنا ولسوانا من حروب وانقسامات وابتلاءات وكوارث يتسبب بها من يشتغلون بالسياسة، وكثير ما خضنا فيه من توقعات وحقائق نعتبر بعضها حقائق وبعضها...

كثير هو ما فكرنا فيه وأخافنا لأننا وصلنا بالتخمين من كثرة ما يموج به العالم من شرور أو ... دعونا نقول «أحداث», وصلنا إلى هذه الحالة من فوبيا عدم الأمن ونهاية العالم وهمجية عدونا الذي اعتدناه واعتادنا: إسرائيل.
كثير وكثير وكثير هو هذا الذي قيل في السياسة وكثير ما سيقال...ثم؟ ماذا بعد؟ ما الذي تغير في حالنا ويعد كسبا؟ وبفرض-قائم- لن نتوقف عن الكلام في السياسة, إلى متى سيستمر ذلك؟ ما مردود ذلك؟
كلام فقط كلام نتسلى به، نستعرض، يلهينا بتركيز كقطع الشطرنج، وندور ثم ندور في نفس الدائرة، يظل كل ما نقوله لا يتجاوز أسماع من نتحدث معه ولا يتجاوز في قدرته على تغيير شيء نريد تغييره، قدرتنا على الشهيق والزفير بهدوء لا أكثر ولا أقل، هو هذا الكلام في السياسة أي سياسة!
عمل من لا يجيد سوى فنون يجيدها ثعلب أو ثور أو قرد...الثعلب يجيد المراوغة والثور يجيد العناد حتى دون أن يفهم ما يعاند من أجله أو ضده، والقرد يجيد المراوغة، وغيرهم من هذه الكائنات-التي أحترمها- التي خلقت لتؤدي وظيفة ما في هذه الحياة.
أقسو عندما أقوم بهذه المقارنة وأتجاوز حدودا مسموحا بها تسمى اللياقة؟ نعم, ربما أكون كذلك ولكن أخبرني ماذا هناك في الكلام في السياسة يلتزم باللاقسوة وباللياقة؟
نعرف جميعا اللعبة وقوانينها وعدم جدواها ولكننا نحب «اللامجدي».
وإذا لم نتحدث في السياسة فعم نتحدث؟! اسألني هذا السؤال متحديا فلسفتي العقيمة، وانظر في عيني بتشف وأنت تعرف أني لن أجد إجابة أنتصر بها عليك، ولكن مهلا! هناك أنا الإنسان بكل ما أحتاجه من إحساس بإنسانيتي وضعفي وقوتي، وما يعترك بداخلي من خير وشر، ويحتاج كل ذلك أن نتحدث فيه وعنه. هناك مبادئي التي تعلمتها صغيرا وعندما كبرت رأيتها تتهاوى لأنه لا أحد يكترث بها، هناك مجتمع كامل بداخلي لم أعد أعرف كيف أتعامل معه حينما أفتحه على من حولي، لأني أتحدث اللغة غير المناسبة دائماً: إما أني مثالي أكثر مما يجب أو أني منحل كذلك أو ربما أكثر مما يجب أو أني بلا ملامح, أيضاً أكثر مما يجب.
وكثير كثير هو ما يمكن أن نتحدث عنه بعيدا عن كلام في السياسة والذي لم يعمل بنا إلا مزيدا من (التوهان) والتشبع حتى الانتفاخ في عقولنا وقلوبنا والتي توشك على الانفجار، ومهما قلنا، سيظل الكلام في السياسة مستمرا ولكنه...كلااااام.