السياسة التركية والإيرانية وجهان لعملة واحدة، جميعهم يتقن سياسة دس السم في العسل لتحقيق أطماعهم في الهيمنة والنفوذ والتمدد في المنطقة العربية وزجها في دوامة الفوضى والعنف، فالدولة التركية تستخدم الشعوب وحقوقها المشروعة في البحث عن الحرية والديمقراطية ومحاربة الاستبداد والمشاركة السياسية جسرا للوصول إلى ما تطمح إليه، كما هي الدولة الإيرانية التي تستخدم الطائفة الشيعية والدفاع عنها جسرا للتمدد في المنطقة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.

تقول صحيفة يني «شفق» التركية، إن الرئيس الأمريكي جورج بوش التقى رجب طيب إردوغان العام 2004 في البيت الأبيض، وطلب منه أن تلعب تركيا دورا محوريا في تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد من خلال الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني، ولذلك نجد أن انفتاح تركيا على الإقليم العربي لم يأت عن قناعة بأهمية الإقليم العربي وتقوية روابط العلاقات معه وإنما كان يرمي إلى تحقيق الهيمنة والنفوذ عن طريق تنفيذ المخطط الأمريكي، حتى وإن كانت تركيا قد سعت لتقوية اقتصادها وتحقيق تقدم فيه بسبب انفتاحها على المنطقة العربية.
السياسة التركية التي كانت تصور للشعوب العربية أنها تقف معها وتدعمها في الحصول على حقوقها، انقلبت رأسا على عقب بعد أن سقط النظام الإخواني في مصر ما بعد الثلاثين من يونيو بقوة ضغط الشارع الثائر على سياسات الإخوان والتي كانت تتصادم مع مطالب الشعب وتسعى لتحقيق أهداف الجماعة من خلال السعي إلى أخونة مفاصل الدولة وأجهزتها، وكذلك تفاقم المشاكل في الشارع المصري بسبب غياب برامج لدى النظام الإخواني لبناء الدولة الجديدة والذي لاقى انحياز المؤسسة العسكرية التي كانت تخشى انزلاق مصر إلى دائرة الحرب الأهلية لإرادة الشعب.
كما أن السياسة التركية التي سعت إلى تغذية الأزمة السورية والنفخ فيها حتى دخلت في نفق مظلم سعت إلى إدارة الظهر للأزمة السورية من خلال السعي إلى التقارب مع إيران بعد أن دخلت المملكة العربية السعودية على خط الأزمة وسعت إلى هيكلة الائتلاف السوري المعارض، وحجمت دور الإخوان في الائتلاف وقطعت الطريق أمامهم في الوصول إلى السلطة ما بعد سقوط النظام السوري. ولذلك نجد أن تركيا تتعامل مع أزمات المنطقة عن طريق انتهاج السياسات الحزبية الداعمة لتنظيم الإخوان المسلمين وليس عن طريق دعم الشعوب بكافة طوائفها وتياراتها، كما أن هذه السياسات الحزبية أحدثت تناقضا في السياسات التركية، فالسياسات الداخلية تختلف عن السياسات الخارجية حيث تسعى أنقرة إلى انتهاج سياسات القمع والقوة المفرطة والاتهامات الإرهابية أمام المظاهرات السلمية والتضييق على الشعب التركي ومنعه من التعبير عن رأيه عن طريق القنوات السلمية مثل الاحتجاجات.
الجمهورية التركية بالأمس خسرت العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي لصالح إسبانيا بفارق 72 صوتا وهي نسبة كبيرة تؤكد تراجع دور وأهمية أنقرة في الساحة الدولية والإقليمية، مما ينذر بدخول أنقرة في عزلة إقليمية بسبب علاقاتها المشبوهة مع التنظيمات الإرهابية مثال تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك إصرارها على العيش داخل دائرة الخلافات مع الدول العربية خاصة مع جمهورية مصر العربية التي تمتلك دورا إقليميا وتأثيرا في المنطقة العربية وحضورا لا يمكن تجاهله في المحافل الدولية بسبب دعمها لجماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابيا، وسعيها إلى عدم الاعتراف بشرعية النظام المصري برئاسة عبدالفتاح السيسي واعتبار ما حدث في الثلاثين من يونيو انقلابا عسكريا وليس ثورة شعبية. وكذلك تصادم أنقرة مع المملكة العربية السعودية التي تمتلك في الوقت الحالي تأثيرا لا بأس به على بقية الدول الخليجية والتي ألقت بثقلها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي خلف القاهرة لمساعدتها في العودة إلى مربع الاستقرار.
السياسات الحزبية التي انتهجتها الجمهورية التركية بزعامة طيب رجب إردوغان جعلتها مقبلة على عزلة إقليمية، فالعاصمة أنقرة التي انفتحت على الإقليم العربي بحثا عن الهيمنة والنفوذ في المنطقة العربية، تبحث اليوم ليس عن كيفية الحصول على الدور والنفوذ، بل عن كيفية التخلص من العزلة الإقليمية التي سوف يكون لها بالغ الأثر على النجاح الذي حققه الاقتصاد التركي.