في الهجوم الإرهابي الأخير، في سيناء، انتقل المجرمون إلى خيارهم العنفي الأقصى، ليطال جنوداً، حملت أفئدتهم إلى تلك الصحراء، فكرة الذود عن الوطن، ووقفوا في وجه الرياح الهوجاء المسمومة، التي تشوّه سمعة المسلمين في العالمين! الإرهابيون في سيناء، حلقة من سلسلة المعتوهين الذين يستهدفون الأوطان في كل بؤرة لهم، ليس سوى القتل الذي يهدئ أعصابهم ويُسكّن قلقهم! لكل مسرح للجريمة، تغطية سياسية ذميمة أو تغطية فقهية مارقة. وعلى المسرح المصري، انزلقت جماعة «الإخوان» إلى جناية التغطية، ليس باستنكافها على تأثيم الجرائم وإدانتها وحسب؛ وإنما كذلك باستمرارها في الدعوة إلى مقاومة الدولة وفي محاولة كسر شوكتها. وهذه تجربة سوف تمر وتبقى دروسها وتداعياتها. وأهم هذه التداعيات إقصاء الجماعة عن الحياة العامة وعن المجتمع، مهما تبدلت الصيغ ومحاولات إعادة إنتاج الصورة وامتشاق عناوين الاعتدال والوسطية. فمن يقتل الناس، يستعديهم ويجعلهم معنيين بطرده من المشهد والاقتصاص منه. والجنود المجندون الشهداء، من الناس وليسوا قادمين بالسفن عبر البحر. المؤشرات والشواهد كلها، تدل على استنكار وألم عشائر سيناء لوجود البقية من الإرهابيين على أراضيهم. وهذا رأي عام على الساحل وفي الأطراف. ربما هناك بعض الناس في الجبال الوسطى، من وقع في قبضة المجموعات الضالة أو وقع في غوايتها بسبب الخوف والجهل، فابتلع كلام الغلاة الآثمين الذي يلفقون الآمال ويستثمرون البؤس والفاقة وخلو المكان من مظاهر التنمية. لكن هذا كله عابر في الزمان والمكان. فـ «داعش» في بداياتها، استغلت وجع الناس في وسط العراق، من سلوك الحكم الطائفي وتعدياته ومليشياته. تلقى مبايعات عشائر وأفخاذ قبائل في سوريا والعراق. لكن هذه العشائر نفسها، سرعان ما استدركت عندما لامست جوهر سلوك الدواعش الذي لا علاقة له بالدين ولا بالحياة. وما العملية الانتحارية الأخيرة إلا تعبير عن خليط من اليأس والتوحش. فقد وصلت مجموعات الشر في سيناء وفي مصر عموماً، إلى شفير الهاوية المحتمة، بإخفاقها في محاولة تفكيك الوطن وإدخاله في حرب أهلية، بضمانة وحدة الوجدان الشعبي المصري ونزوعه الأزلي إلى الاستقرار. لم يفلح الأشرار في التغطية الأيديولوجية على سوءاتهم، فتفاقم كابوسهم وأصبحوا في مواجهة الشعب!
ثمة تغطية سياسية للإرهاب، وفرتها القوة العظمى التي تكابد الآن انقلاب السحر على الساحر. فليس سؤال الإرهاب غالباً عند الأمريكيين، وإن كان يغلب كلما آلمهم هم حصراً، في سياق ردود الفعل. كثير من المحللين الأمريكيين، تناولوا بالنقد، موقف الإدارة والأجهزة الأمنية السيادية من الإرهاب الكوني، وفنّدوا مقولة «الخير والشر» الانتقائية. الأول الذي معنا والثاني الذي ضدنا. واستعرضوا السلوك الفعلي على الأرض، إذ يعمل الأمريكيون على تجفيف بؤرة للإرهاب هنا، وفتح بؤرة أقبح، في مكان آخر، يتاح لها حاضنة اجتماعية. عندما توهموا أنهم جففوا الطالبان، فتحوا «المحاكم الشرعية» في الصومال. ولما انفتح لهم بطن هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي، أتاحوا التحقق لبؤرة أخرى في العراق. معنيون هم بتبويب بعض الأوطان والمجتمعات وإغلاقها، وجعلها مشتلاً لنمو زرع التطرف، توطئة للتدخل وفتح بطون الأمكنة، بتأييد الناس الراغبين في الخلاص. أما إسرائيل ومتشددوها، عندهم، فليسوا شراً!
إن الخونة الذين يقتلون في سيناء، جرى استثناؤهم من حسبة الخير والشر في التقرير السنوي عن الإرهاب، الذي تصدره الخارجية الأمريكية. يريدون لمصر أن تئن من الألم وتستجدي الإغاثة وتخضع. لكن مصر ليست دولة هشة، وستواجه التحدي وتنتصر!