أكتبُ الآن صبيحة عيد، وأنا المُتيم المحُب للصباحات، كما أحب الكتابة بقلقها وألقها، ولهذا أشعر دوماً بأن الكتابة كائن صباحي، فيما القراءة تتطلب مرحلة أخرى، أي عندما يكون النهار بكامل نضجه، فأن أُمارس الكتابة صباحاً وأكتب للعيد فهو شعور جميل يُشبه ابتسامات الأطفال صباحاً وكأنهم جعلوا من ابتساماتهم النقية الحالمة منبهاً يوزع الصبح على طرقات المدينة وأحيائها، أو كأن ضحكاتهم تسكب الضوء في كأس المدينة لتبدأ صباحها بنشاط وتفاؤل، فنحن دوماً نوصي الأطفال بالأشياء التي نتكاسل عن القيام بها، نوصيهم بالنشاط والتعود على الأشياء الصحيّة التي لا نقوم بها عادة!

أكتب الآن بارتياح أكبر، لأنني أشعر أنني أكتب بعيداً عن أعين القارئ الذي سيكون في صباح توزيع الجريدة مشغولاً بترتيب الفرح، وإن تورط بقراءة الصحف في يوم عيد فسيكون أكثر تسامحاً، فلو قرأ هفوة فسيتجاوزها سريعاً ولن يسمح لها بأن تعكّر فرحه ولسان حاله يردد (لاحقين على الغثاء)، وأنا لن أعده بأنني سأكتب شيئا يتماهى مع حالته الفرائحية، لكنني سأحاول ألا أكتب ما يستدعي التفكير خارج دائرة الفرح والعيد، سأحاول أن أقول شعراً جميلاً يليق ببهاء الصبح والعيد، وبالطبع سأتعمد أن أتجاوز البيت الأشهر الذي ورد فيه ذكر (العيد)، وأقصد بيت المتنبي (الكئيب) الذي لا بد أن شطره الأول – كالعادة – أصبح عنواناً للكثير من المقالات، فالمتنبي استغل موهبته العظيمة لترسيخ كثير من الأشياء السلبية في الذاكرة الجمعية للشعوب العربية، وليس المتنبي وحده من جعل الشعر يُشبه الخطاب الرسمي للحكومات، لكن الثقافة العربية بشكل عام تنظر للفرح بأنه مرادف للهو الذي هو من خوارم الرجولة، فيما التجهم والصرامة و»عقد الحواجب» بدون سبب هي من سمت الرجال، لدرجة أن بعض كبار السن يطأطئ رأسه، أو يضع «شماغه» على فمه عندما لا يستطيع أن يكتم ضحكة على نكتةٍ أو موقفٍ عابر، وكأنه اقترف خطيئة تستحق الستر والخجل!
كنت أعتقد أن الكتابة عن الفرح أمرٌ سهل، الأمر يبدو كذلك عندما أُحاول أن أبتعد عن الحديث في السياسة ومطامع الإنسان في التملّك والاستحواذ حتى على حياة الآخرين تحت مبررات شتى أكثر ألماً أن يكون المبرر الديني هو الدافع الظاهر، نجحت في الكتابة بعيداً عن هذا – إلى هذا السطر على الأقل – لكنني في نفس الوقت وجدتني أقول مواعظ تدعو للفرح، وكأن الفرح ليس غريزة إنسانية، بل كأنه فضيلة يجب أن تسعى وتتحمل المشاق كي تصل لمجدها، لهذا أقترح – ولستُ موصياً – أن تعتبر العيد ومضة فاتنة في حياتك، أو نكتة رائعة، وعش لحظتها الأولى كما هي، وأقترح عليك أن تؤجل محاولة فهم مغزاها وما أخفاه المجاز حتى نهاية العيد والعودة إلى نشرات الأخبار، وبرامج التحليل السياسي، وتحديث حافز!
الفرح ضوء ستحتاج له في عتمة هذا العالم، افرح وستجد نفسك قادرا على خلق المزيد من الخيارات الرائعة، والمعادلة هنا سهلة، فكل شيء حدث وسيحدث هو بأمر الله، فهل من المنطقي أن تتجهم لأن الله كتب عليك أمراً اختاره هو، فالله سبحانه وتعالى هو من قال لنا (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)!
يقول المُعجم: الفرَحُ محرّكةً: السُّرورُ وفي اللّسان: نقيض الحزن. وقال ثعلب: هو أَن يَجدَ في قلْبه خِفّةً. وفي المفردات: الفَرحُ هو انشراحُ الصَّدر بلذّةٍ عاجلةٍ غير آجلة وذلك في اللّذات البدنيّة الدُّنيويّة والسُّرور هو انشراحُ الصَّدرِ بلذَّة فيها طُمأْنينةُ الصَّدرِ عاجلاً وآجلاً. قال: وقد يُسمَّى الفرحُ سُرُوراً وعكسه.
وأقول: افرح بطريقتك وتذكر أن ابتسامتك في وجه أخيك صدقة، مجرد الابتسامة، كيف أجل لو دفعته أنت للفرح؟ .. وكل عام وأنتم والوطن بخير..