تركيا متناقضة مع نفسها بما يخص حصار بلدة كوباني (عين العرب). هذه البلدة بنيت عام 1912 حول محطة قطار على طريق خط بغداد الحديدي، وهي تقع ضمن ما كان يعرف سابقا بولاية سوريا في عهد الإمبراطورية العثمانية. يُقال إن اسم المدينة مشتق من اسم الشركة الألمانية التي كانت تمد الخط الحديدي في ذلك الوقت. بلغ عدد سكان البلدة في عام 2004 نحو 45.000 نسمة، ومنذ 2012 تسيطر عليها قوات حماية الشعب الكردي (YPG)، وهي الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).
في عام 2014، أعلنت قوات حماية الشعب الكردي أنها تقوم بإدارة ثلاثة كانتونات في شمال سوريا، وهي التي تطلق عليها اسم «راجوفا» –أي المناطق الكردية في سوريا. الكانتونات الثلاثة تفصل بينها مناطق يسيطر عليها تنظيم داعش، وبلدة كوباني هي الكانتون الذي في الوسط، وهي تخضع لحصار من قبل تنظيم داعش منذ منتصف سبتمبر هذا العام، فيما تشتكي تركيا من تدفق اللاجئين إلى أراضيها، حيث وصل العدد الإجمالي للاجئين السوريين في تركيا نحو 1.5 مليون لاجئ بحسب بعض الإحصاءات. لكن نحو 200.000 لاجئ إضافي عبروا إلى تركيا بسبب حصار كوباني والحملة الشرسة التي يشنها تنظيم داعش الإرهابي. ذلك رقم ضخم من بلدة يفترض أن عدد سكانها لا يتجاوز 45.000 نسمة!
لكن تركيا تبدو مترددة عندما يتعلق الأمر بتقديم مساعدة مباشرة إلى كوباني. ما هو سبب التردد التركي إلى هذا الحد عندما يتعلق الأمر بحصار كوباني؟ دعونا نتذكر أن هذه هي أرض طروادة، المدينة التاريخية على السواحل التركية لبحر إيجة التي حاصرها الإغريق لمدة 10 سنوات. وعندما كادوا أن يفقدوا الأمل في دخول المدنية، ابتكر أوديسيوس الإغريقي خطة ذكية. تظاهر الإغريق بأنهم يرحلون، لكنهم تركوا وراءهم حصانا خشبيا ضخما. فرح أهل طروادة كثيرا وهم يرون أعداءهم ينسحبون. وعندما سأل الطرواديون أسيرا من الإغريق لديهم، اسمه سينون، وكان يعرف حقيقة الحصان لأنه كان قد تلقى رسالة سرية بذلك من قومه الإغريق، عن سر الحصان الخشبي الضخم، كذب عليهم وقال لهم إن الإغريق تركوا الحصان كهدية للآلهة لضمان عودة سفنهم إلى الوطن بأمان. وعندما سألوه عن سبب كون الحصان ضخما جدا، قال لهم إنهم فعلوا ذلك حتى
لا يتمكن الطرواديون من تحريكه وإدخاله إلى مدينتهم. وأضاف سينون قائلا: «إذا أدخلتم الحصان الخشبي إلى داخل مدينتكم، فإن ذلك سيجعل طروادة منيعة
لا تقهر، وبالطبع فإن الإغريق لن يعجبهم ذلك». انطلت الحيلة على الطرواديين وأدخلوا الحصان إلى داخل أسوار مدينتهم. وبالطبع، كان مجموعة من أقوى المقاتلين الإغريق يختبئون داخل الحصان، وقاموا بالتسلل ليلا وفتح أبواب طروادة للجيش الإغريقي، وسقطت طروادة. تلك هي الأسطورة. ونحن أحفاد أولئك الطرواديين الأقوياء. وقعنا في الفخ مرة، لذلك سنكون أكثر حذرا.
لماذا لا تزال تركيا مترددة؟ لأنها خائفة مما قد يحصل إذا تخلت عن حذرها. لم تقرر بعد موقفها من الأكراد الذين يعيشون في تركيا –كيف يمكن التقارب معهم وهل يمكن الثقة بهم؟ عملية المصالحة مع الأكراد على سبيل المثال ليس لها اسم مفهوم في تركيا بعد. كيف نستطيع أن نحل مشكلة قبل أن نعرفها أولا؟
كنت أقرأ مؤخرا كتاب «تشريح معجزة» القديم حول نهاية نظام التمييز العنصري –الأبارتيد- للكاتب باتي والدمير. في الكتاب، يقول الجنرال كونستاند فيلجون، رئيس هيئة الأركان في الجيش في جنوب أفريقيا، إنه في الفترة بين 1975-1985 اجتمعت القيادة العسكرية مع الحكومة أربع مرات «وحذرناهم أننا نستطيع أن نستمر عسكريا لفترة طويلة، ولكن سياسيا.. فإن الخيارات الاستراتيجية تزداد ضيقا». وكان يدفع دائما باتجاه عمل مبكر، «وإلا فإننا سنصبح في موقف أكثر ضعفا.
قد يقول البعض إن القضية في تركيا ليست قضية أبارتيد، وقد يكون ذلك صحيحا. ومع ذلك، فإن 54% من الأكراد الذين شاركوا في مسح لم ينشر جرى في 2013 قالوا إن هناك تمييزا ضد الأكراد في تركيا، فيما قال 17.5% فقط من الأتراك عموما الذين شاركوا في الاستطلاع الشيء نفسه. المشكلة ليست بنفس الحدة كما كان الأمر في جنوب أفريقيا بالطبع، لكن العلاقات بين الأغلبية والأقلية تتوافق مع نفس المبادئ.
- أستاذ في العلوم السياسية في جامعة أنقرة وكاتب رأي (حريت دايلي نيوز)

