قبل عدة أيام شاهدت انقلاب شاحنة محملة بمواد تنظيف منزلية، ولم تكد تلامس الأسفلت حتى توزع العابرون حمولتها وكأنها غنيمة حرب، ولم يفاجئني الموقف كثيرا ففي اليوتيوب العديد من المقاطع المشابهة، مشاهد لشاحنات مواد غذائية أو تموينية تتعطل أو تنقلب ولا يحتاج الأمر أكثر من ربع ساعة حتى يتم نهب كل محتوياتها، والمشكلة ليست في عملية النهب في حد ذاتها بل في أن من يفعل ذلك يفعله بقناعة وبثقة، وهو يعتقد جازماً أنه لا يسرق، ولا يخالجه أدنى شك أنه يعتدي على أشياء لا تخصه، وهذه القناعة مشكلة أكبر من مشكلة السرقة ذاتها، أن تسرق فتلك مصيبة أخلاقية لكن حين تبرر سرقتك وتجدها أمراً طبيعيا فالمصيبة أعظم!
ومثل هذه التصرفات إضافة إلى أنها تصرفات إجرامية فإنها تفتقد حتى للمروءة وتنم عن دناءة وخسة وسوء خلق، هي ظلمات بعضها فوق بعض..
وهذا اللص الذي ينهب في وضح النهار محتويات شاحنة منكوبة ولا يشعر بالخجل هو نفسه بشحمه ولحمه ومسروقاته لا يجد في نفسه حرجاً من أن يتحدث عن فساد المسؤولين ويجد في نفسه رغبة في كيل ما تيسر من شتائم للذين يتسببون في تعثر المشاريع ويسرقون مقدرات وثروات الوطن.
وليته يعلم أن هؤلاء اللصوص والسراق وناهبي ثروات الوطن يتصرفون بنفس طريقته، هم يعتبرون الوطن شاحنة متعطلة ولا يجدونه أمراً معيبا حين يسرقون ميزانيتها كما يسرق هو مواد التنظيف أو كراتين المياه الغازية، ويعتبرون أن ذلك «نباهة».. تماما كما يشعر هو تجاه نفسه وهو يدخل منزله محملاً بالمسروقات التي يعتقد أنها ملك له!

