كان هذا عنوان قراءة لثلاثية الروائي السعودي، أحمد الدويحي، «المكتوب مرة أخرى»، شاركت بها في نادي الرياض الأدبي منذ سنوات عشر، لكنها ظلت الأقرب لذاكرتي الجمالية منذ ذلك الحين، لخصوصية هذا النص، وعدم وجود تجربة سردية مماثلة حتى الآن. يطرح النص أسئلة حول الكتابة من واقع تشكله ومن واقع حكايته، فهو يحكي قصة كاتب تتلبسه حالة كتابة. يتتبع الراوي / البطل تفاصيل الإبداع، وتخلّق النص لحظة بلحظة. هو راو يروي حكاية الرواية. ومن هذا المدخل يمكن أن نقرأ / نكتب: المكتوب مرة أخرى، نكتبه لمرة أخرى، ويظل مفتوحا، قابلا للكتابة مرات ومرات بعدد القراء.
أسئلة القراءة هي نفسها أسئلة الكتابة، تنجح القراءة بقدر ما تستطيع أن تكتب النص من جديد، لكنّها لكي تفعل ذلك تحتاج لنص يكتنز ببذور قابلة للتخلق نصوصا أخرى، هكذا ينشغل هذا النص بأسئلة الإبداع / السؤال الجوهري الذي ينشغل به النص من كل وجوهه: هل القراءة/الكتابة منهج جاهز، وقالب يُحشَر فيه النص؟ أو هي جنين يتطلب وجوده زواج طرفين، يعاد خلقهما من جديد عبره، بحيث لا يمكن تمييز أحدهما من الآخر، إنه نتاج تفاعل عدة ثنائيات: النص/السياق، والواقع/المتخيل، والأنا/الآخر، والملفوظ/المسكوت عنه.
يعرض النص قصة الخلق الإبداعي من أولها، ففي هذا النص نرى الشخصيات تأتي من تداخل الوعي واللاوعي، إنها تتخلق من تداخل الواقع بالتخيل، يجدها الراوي البطل في ذاكرته، ويشكلها من جديد، وفيه تتداخل أبعاد الزمان والمكان، ويبرز منطق جديد للواقع والحقيقة. لا يسع القارئ في ختام القراءة التي لا يمكن أن تتم -وهذي شهادة نجاح للنص - إلا أن يردد مع الكاتب ما افتتح به الثلاثية: «الحياة تُكتب والقصة تعاش»!!

