الأحداث الأخيرة في العالم العربي وأماكن أخرى بينت أن الفكرة التقليدية عن الأمن بالاعتماد على الجيش والأجهزة التابعة له فقط هي فكرة قديمة وبالية. الأمن مجال متعدد الوجوه يعمل في صلب العلاقة بين التطور الإنساني والإدارة المستدامة لموارد الماء والطاقة والغذاء. كتاب «الماء، الطاقة واليقظة العربية» صادر عن جمعية من القادة العالميين السابقين اسمها (CpunterAction Council)، وشارك في تحريره معهد الماء والبيئة والصحة في جامعة الأمم المتحدة. الكتاب يستكشف أبعاد الأمن من عدة زوايا ويقدم بعض الاستنتاجات غير الشائعة.

كتب الكثير في السنوات الأخيرة عن الأمن المائي على أنه نقطة الارتكاز الحاسم التي يتوازن عليها التطور الإنساني والأمن العام. قدرة الوصول إلى الخدمات الحديثة للطاقة والغذاء الكافي ومياه الشرب الآمنة والصرف الصحي تعد حاليا المحددات الرئيسة. هناك مؤشر واضح على هذا الوعي المتزايد عبر عنه القادة السياسيون والاقتصاديون في منتدى دافوس الاقتصادي في العام الماضي، والذين عدوا فيه الأمن المائي أحد أهم خمسة مخاطر في العالم.
توليد واستهلاك الطاقة مدفوعان عادة بالقدرة على الوصول إلى المياه النظيفة، وينتج عنهما غالبا مياه صرف صحي تسبب التلوث. وبعكس ذلك، نحو 8% من الطاقة التي يتم توليدها تستخدم لمعالجة وضخ ونقل المياه النظيفة والصرف الصحي. وإنتاج المواد الغذائية مرتبط بشكل متكامل مع توفر المياه – في معظم الدول التي تعاني من ندرة المياه، نحو 80% من المياه تدعم الإنتاج الزراعي.
من الواضح أيضا أن استخدامنا للموارد، خاصة المياه العذبة، لا يتوافق مع توفرها. وهذا واضح بشكل خاص في العالم العربي، حيث تعاني الدول من ندرة المياه، والتي تزداد سوءا مع زيادة عدد السكان وتغير الأنماط المناخية.
بعض كبار الخبراء يقولون إن أسباب الأزمة الأمنية في سوريا لها جذور تتعلق بسوء إدارة الموارد المائية والجفاف، وهذه المشاكل ضخمت الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية القديمة. ندرة المياه مع نقص الطاقة، ارتفاع أسعار المواد الغذائية، زيادة البطالة، والأداء الاقتصادي الإقليمي الضعيف، كلها عوامل أوجدت مع بعضها وصفة خطيرة.
الكتاب الجديد يقول إن عكس هذا الوضع يتطلب إعادة ترتيب أنماط الاستهلاك مع الموارد المتوفرة. كما يقلل الكتاب من أهمية القوة العسكرية كجزء من المعادلة الأمنية العامة.
تطوير قطاع الطاقة يمكن أن يحافظ على الموارد المائية، ويحسن إمكانية الوصول إلى الطاقة، ويدعم أسواق الطاقة. في الكتاب، يقول ماجد المنيف، عضو المجلس الاقتصادي الأعلى في السعودية، إن شركات الطاقة الوطنية يجب أن تلعب دورا قويا في إعادة الترتيب هذه.
وفي نفس الوقت، يقول رابي مهتار من جامعة تكساس إن زيادات الأسعار التي شهدتها فترة 2006-2008 يمكن ربطها مع ارتفاع أسعار الطاقة وتحويل الأراضي الزراعية من أجل إنتاج محاصيل الوقود الحيوي. ومع أن الأسباب المحددة لارتفاع أسعار المواد الغذائية في العالم مثيرة للجدل، إلا أن من الواضح أن توفر المياه والأراضي الخصبة وأسعار الطاقة عوامل أساسية. هذا الأمر يتطلب أن تعيد الحكومات دراسة طريقة إدارة هذه القطاعات.
الكتاب يقدم القناة التي تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كمثال يحقق أهدافا متعددة تتعلق بأمن الطاقة والغذاء والمياه، وفي نفس الوقت تشجع على السلام في المنطقة. هذه القناة بطول 180 كلم ستنقل المياه من البحر الأحمر لتجديد البحر الميت الذي يختفي بالتدريج.
ومن ناحية ثانية، فإن التأثير الأكبر للتغير المناخي هو على دورة المياه، وقد وضع مجلس الأمن الدولي موضوع التغير المناخير على جدول أعماله. لكن الكتاب يقول إن مجلس الأمن الدولي يجب أن يعد أمن المياه القضية الأهم، لأن آثار التغير المناخي تنعكس في شكل انعدام أمن المياه.
إن طريقة تعامل المجتمع الدولي مع هذه المشاكل متعددة الجوانب، مسألة هامة؛ الحلول الجزئية غير كافية على الإطلاق. مجتمع التنمية الدولي، والذي تقوده أنظمة المتحدة غالبا، له دور مركزي واضح. العديد من المؤتمرات الدولية، أبرزها قمة دول G20K، لها أيضا دور تلعبه في ضمان أن تكون هذه الطريقة شاملة، وملائمة جغرافيا، وتتمتع بموارد كافية.
المنطقة العربية هي بالفعل منطقة اختبار فيما إذا كانت هذه الحلول ستنجح أم لا. في الوقت الذي تتطلع فيه كل الأعين إلى التطورات الأخيرة في سوريا والعراق، هناك مسألة أخرى تتعلق بالتخلص من المشاكل قبل أن تخرج عن السيطرة في أماكن أخرى من المنطقة العربية.

- خبير في شؤون الثروة الحيوانية ومدير معهد المياه والبيئة والصحة في جامعة الأمم المتحدة (جاكرتا جلوب)