أذكر تلك اللحظة جيدا - لحظة القول (بالطبع) - التي قال عنها رائدنا الأديب حمزة شحاته: «إنها للحظة حرجة.. تلك اللحظة التي تحملق في الوجوه لتجد من يفهمك. فلا تجد..»!. وأظن - بعد التذكر - أن تلك اللحظة ليست أكثر (إحراجا) من اللحظة التي تحملق في الوجوه أمامك وخلفك ومن يمينك وشمالك. فلا تجد إلا من يخالفك. فيقوض كل مشروع نويته للعمل والحياة. ويعطلك. فيجعلك تقف في مواجهة (واهمة) مع القرآن الكريم وسنة رسوله الكريم.! ولذلك فإن الوجوه التي قصدها حمزة شحاته قبل نصف قرن من الزمن أقل وطأة وأخف بأسا من وجوه اللحظة المحلية الراهنة التي نعيشها بكل صلف ومرارة.
تلك هي أزمتنا الحقيقية مع الزمن. الذي لم (نجاريه) فانكشفت سوآتنا الإنسانية والحضارية. وأصبحنا نصعد (إلى أسفل) بحيث إن تلك (الجماهير) التي احتشدت أمام شحاته في مكة المكرمة قبل خمسين عاما. لهي أكثر وعيا ومعرفة واستجابة لأنوار العلم والفن والجمال من الذين يقتعدون الصفوف الأمامية. ليثيروا الصخب والضجيج أمام المفكر والروائي تركي الحمد أو الشاعر علي الدميني أو القاص والروائي عبده خال!!
أول التجليات لذلك المشهد يبرزه السؤال المؤرق: «كيف لو أن شحاته وأقرانه العواد والزيدان وعزيز ضياء.. يعيشون بيننا الآن. أو قدر لهم أن يعودوا فجأة إلى عالمنا اليوم.. ماذا كان سيشعر به هؤلاء الذين أرادوا الأخذ بأيدينا صوب دروب الحق والخير والجمال؟؟ وماذا يمكن لهم أن يقولوا..؟!» أحسب أن العهد لن يطول بهم كثيرا.. وبأن العدم (أرحم) لحالهم من رؤية خطابهم الريادي النهضوي الجميل قد استحال إلى كلمات هرمة متقاطعة مخضبة بالدماء الراعشة من (دواعش) هذا الزمن. والذين لم يقعدهم عن(الانطلاق) و(الذهاب) في إثر الدواعش الراعشة على الأرض سوى الجبن والخوف على النفس والمال. وإلا فإنهم (دواعش).. (دواعش).. (ما فيها.. كلام!!) إذ الأرض في الحالتين واحدة.. وخزانة (الحكي) واحدة.. و(المقاصد) هي ذاتها (بالتمام والكمال)!
ثم إني أتخيل حسرة هؤلاء الرواد وهم يرون القوم قد فتنهم (السامري) فاتخذوا من خطابه المتطرف المتصلد خطابا للحياة بشعار الموت. وللفعل بإعلان القدر!!
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن الحسرة على اختفاء التداعيات الباذخة لهؤلاء الرواد تمتد لتشمل (غيابهم)عن الواقع.. عن الحياة.. عن الممارسة التعليمية أو الثقافية أو الاجتماعية في بلادنا.. مؤلم جدا أن يأتي ذكر الزيدان (هامشا). أو يخجل القوم من إعلان موت صوت هذه الأرض.. صوت الوطن (طلال مداح) على قنواته الرسمية. أو يسمى شارع بائس في (صناعية) مدينة نجران - مثلا- باسم شاعرنا الكبير (سعد البواردي).. أو يموت شاعر عظيم بقامة (محمد الثبيتي). ولم يدر بموته أحد سوى بعض رفقاء الغرف الباردة! رفقاء النخيل السامقات والشيح والشجر العنيد! (صحيح) أن ثمة شوارع سميت بأسماء رواد ثقافتنا. ولكن أين تلك الشوارع؟ من يعرفها؟ وهل في ثقافتنا الجغرافية المدنية معرفة (اسم الشارع)؟! المسألة ليست (تأدية واجب) بقدر ما هي رغبة خالصة في تقدير الثقافة والمثقفين في هذه البلاد الكريمة (ولكن.. مع هؤلاء الدواعش المتنامين على الأرض.. هل يمكن أن تمر تسمية شارع لدينا باسم طلال مداح أو طارق عبدالحكيم مرور الكرام..؟!)