يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.. والوجه هو الجزء الأهم في الجسم، فخلفه تقع الحواس، وأعلاه يتواجد العقل البشري الذي يفكر أو القرن الحيواني الذي ينطح.. وهناك وجوه نؤمن بوجودها رغم أنها وهمية مثل «وجه الكرة الأرضية»، وهناك وجوه أخرى نؤمن بوجودها كذلك رغم أنها مختفية مثل «الوجه الآخر للقمر»، فهو وجه مظلم لم ولن نراه؛ فالقمر يواجهنا طوال الوقت بوجه واحد فقط، ولذلك فهو أكثر صراحة من الكثيرين، ونحن مع ذلك ننخدع به وننظر إليه متغزلين بنصفه فقط.
وجميعنا نتمنى أن نحصل على «وجه مشرق»، مثل وجه الملك الفرعوني «رمسيس الثاني» بمعبد أبو سمبل بمصر في وقت تعامد الشمس عليه بفبراير وأكتوبر من كل عام.. وأكثر الوجوه التي نبحث عنها دائماً هي أوجه الشبه والاختلاف بين أي شيئين، فنحن مغرمون بالمقارنة.
وهناك أشياء لها أكثر من وجه؛ مثل الأفكار حمالة الأوجه، كما أن للعملة الواحدة وجهين. ولبعض البشر وجهان أيضاً، بالمعنى الحرفي! فـ «إدوارد مورداك» مثلاً، رجل إنجليزي عاش في القرن التاسع عشر، كان له وجه آخر في مؤخرة رأسه، وقد أثار ذلك حيرة الأطباء وخيال مهووسي عالم ما وراء الطبيعة، كانت الحالة عبارة عن رأس بوجهين. وهناك حالة أخرى لا تقل غرابة؛ رأسان بوجهين، وهي لشخص مكسيكي اسمه «باسكال بينون»، وقد وُلد في أواخر القرن التاسع عشر، ومات في سنة الأزمة المالية (1929). وكان يحمل فوق رأسه رأساً أخرى بوجه آخر!! وبالطبع كلها حالات لتوائم ملتصقة ولكنه التصاق من نوع فريد.
بعض الناس لا يرضى بوجهه فيجري عمليات تجميل ليستعير وجهاً جديداً، أو يقتني عدداً من الأقنعة لمواجهة الآخرين، وقد استُخدم القناع قديماً في التمثيل، ولكن مع تحول قسم كبير من حياتنا إلى تمثيل أصبح القناع أمراً واقعاً، فمن منا لا يمتلك عدة أقنعة، وقديماً قالوا إن الشخص الذي يستخدم الأقنعة كثيراً يصل إلى الدرجة التي يلتصق فيها القناع بوجهه فلا يمكن التخلص منه أبداً.
المنافق يتعامل مع وجهه كتعامله مع حذائه، ينظفه ويلمعه ويصبغه باللون المطلوب ويرتديه حسب الطلب، فنحن نرى وجوها متعددة للمنافق، إلا وجهه الحقيقي، يبقى في الخفاء.. وأحياناً يُصدر لنا المنافق وجهه السينمائي، فيلتف حوله المعجبون، لكن تبقى أكثر الوجوه التي يستعملها هي وجهه القبيح.. والقرآن يقول (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليماً)، والإنجيل يقول (ويل لكم أيها المنافقون)، والتوراة يقول (أما المنافقون فسينالهم العقاب).. للحقيقة أكثر من وجه وكذلك المنافق.