قولوا لي ما هي أعنف علامات الجنون التي تثير انتباهكم في المجانين!! هل هي الأحداق المفتوحة على آخرها لأنها لا ترى أي شيء ولا تسعى لشيء لأنها عيون فارغة أم الكلام المبعثر المخبول؟! أم اللامبالاة المطلقة والفظيعة التي يبديها المجنون وبوضوح ليخلع بها رئتيك من بين قفصك الصدري!! لا أعرف بالضبط أعنف تلك العلامات.. كل ما أعرفه أنني قابلت في مراحل عمري المبكرة فئتين من المجانين، الأولى كنت أقابلهم في الحي الذي ترعرعت فيه ركضت وراءهم وركضوا ورائي كان في مقدمتهم (أبوالكلام) رحمة الله عليه، والنوع الآخر كان الخطر منهم كبيرا وكانوا يحتجزون في مستشفى (شهار) وسمي المستشفى باسم المنطقة.. أذكر من قصصه ما رواه مدير مستجد في الخدمة أنه قام بجولة في الأيام الأولى من مباشرته العمل بالمستشفى وكان الغرض منها التعرف على عدد ونوعية الحالات وعند مروره بإحدى الردهات لاحظ أحدهم جالساً في إحدى الزوايا واضعاً يده على خده يفكر ويتألم فاقترب منه وصار يتحدث إليه فسأله عن أحواله وعن أسباب وجوده في المستشفى فأفاده المريض بكلام معقول لا غبار عليه وأنه قد جُلب إلى هنا عنوة وأنه صاحب بيت وعائلة وأولاد وأنه عاقل غير أنهم اتهموه بالجنون لأسباب تتعلق بالإرث.. واسترحم صاحبنا المدير أن ينظر في قضيته وأن يعيده إلى أهله ومضى المدير يحكي كيف أنه تأثر جداً بوضعه ورثى لحاله ووعده أن ينظر في أمره وما كاد يدير رفيقنا ظهره حتى تناوله المريض (بصفعة) على قفاه مذكراً إياه بأن الصفعة فقط حتى لا ينسى قضيته مع زحمة العمل.. حينئذ اقتنع المدير بأن ذلك المريض هو في المكان اللائق به!! أما (أبوالكلام) فكان مقره الدائم جوار مسجد الحي ولكنه كان في أغلب الأوقات ينتقل من مقهى إلى آخر بعينيه الغائرتين وشفتيه الغليظتين حيث يحلو للبعض أن يدعوه لمجالستهم واحتساء الشاهي معهم ويحدثهم عن أهله وتاريخه الأسري ويسرد عليهم أحاديث غير حقيقية عن صولاته وجولاته يستجدي منهم أن يظهروا إعجابهم وتصديقهم لما يقول فإذا لم يحظ بذلك الإعجاب انتقل إلى مقهى آخر.. ولم يكن (أبوالكلام) يؤذي أحدا أو يتحرش بأحد كل ما كان يفعله عندما لا يعجبه الحال أن يشاور بيديه كأنه يخاطب إنسانا آخر ويهرول في سيره حافي القدمين.. زماننا الردي شهد فئة جديدة من المجانين، أثرياء الغفلة جماعة (يجب وينبغي) من يحاول أن يحتفظ لنفسه في كل مجلس بدور البطل في جميع حكاياته وهؤلاء يبدو لي أنهم مجانين سعداء فهم أغنياء وقادرون على تصديق أنفسهم دائماً مهما ابتعد بهم الخيال أو شطح بهم الوهم يعيشون ظافرين غانمين في دنيا أحلامهم فهم دكاترة وشعراء، وكتاب أغان ورجال إعلام وأصحاب محطات فضائية.. وحتى راقصون عندما يرغبون، ما إن تجلس إليهم حتى يروي لك الفرد منهم حكايات متصلة بالمخاطر وسحب الخناجر وكيف صال وجال في كل مجال وذلك حسبما يرى صورته في عين نفسه أو يشتهي أن يكون.. تقابله فيعانقك بهبل ثم يجلس إليك وبعد أن يسندك بمسندين عن كل جانب ينكفئ على فمه ويقروض في قبالتك أو بجوارك على ركبة ونصف ويستنسخ لنفسه شكل ثور مصارعة خرج لتوه من نفق الظلام إلى النور ينطح الجلسة والجالسين ولسانه يركبه عفريت اسمه تفسير (الحاضر بالماضي) .. فيحدثك عن المرحوم أبيه وكيف كان فاضلاً شريفاً ينتمي لـ(آل البيت) ويستمر في كلام يدخل إلى الأذن ويرتد عنها ولا يصل إلى العقل، الأمر الذي يجعلك تستفيق أحياناً من غيبوبتك لتصيح عمن يتكلم الأخ.. عن صلاح الدين!! نوع وشريحة جديدة ابتلي بها المجتمع (الجداوي) أطلقت عليهم المجالس المحترمة (المتفلسعين) أي أصحاب الفلسعات.. جمع (فلسعة) والمتفلسع هو الإنسان العاجز عن مواجهة الحاضر المؤلم الجريء بماض أسود.. وفلسع بمعنى هرب!! وتهربون من مين يا جماعة وعلى فين فإن غاب الشهود فرب السماء موجود وصحيح اللي استحوا ماتوا!!.