هناك فرق واضح بين الغالبية العظمى من الفاسدين (نحو 95%)، الذين يشكلون المحتاجين، والنسبة الصغيرة نسبيا من الفاسدين الجشعين (5% تقريبا).
لسوء الحظ، من الملاحظ أن الفاسدين الجشعين يختلسون ويدخرون أكثر من 90% من المال غير القانوني.
ونظرا لظروفهم الاقتصادية التي دفعتهم للفساد، يكافح المحتاجون لتأمين الخبز لعائلاتهم، دفع الإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، والرسوم المدرسية لتعليم أطفالهم، وفواتير الرعاية الصحية، وأجور النقل، وغير ذلك من تكاليف المعيشة.
الشيء الإيجابي هو أن كل الأموال التي يختلسونها بشكل غير قانوني تعود إلى اقتصاد البلد.
ليس هناك حدود لشهية الجشعين في نهب البلد؛ معظم أموالهم يتم ادخارها غالبا خارج البلاد، وبذلك يفيدون اقتصاد الدول المتقدمة.
هل كانت أسعار العقارات في لندن حول هايد بارك وصلت إلى ما هي عليه دون الاستثمارات الباكستانية الهائلة في الشقق الفاخرة؟ داخل البلد، باستثناء الأمور الأساسية، فإن الأموال التي ينفقها الفاسدون الجشعون على السلع الفاخرة، ومعظمها مستورد، تحير العقول.
أي سيدة لا تحمل في يدها حقيبة من نوع بيركن (ثمن الحقيبة يتراوح بين 15 إلى 50 ألف دولار) في المجتمع المخملي في باكستان ليس لها قيمة، الأمر الذي أدى إلى انتشار تجارة حقائب بيركن المزيفة.
بالرغم من ضرورة التحكم بالفساد في العالم الثالث، فإن المشكلة الرئيسة تكمن في فشل الدول المتقدمة في تطبيق القوانين فيها.
معظم الأموال يتم تحويلها إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهناك كميات كبيرة من الأموال تحول إلى البلدان الناشئة حديثا في آسيا والصين.
وبالرغم من التزام محدد لوضع إجراءات للقضاء على الفساد وغسيل الأموال، يبدو أن الغرب لا يطبق ذلك في معظم الأحيان، وغير قادر على تطبيق ما يدعو إليه وينادي به.
المجرمون يحتاجون إلى وثائق رسمية لجعل أموالهم غير الشرعية تبدو قانونية، وتجار المخدرات يفعلون كل ما بوسعهم لغسيل أموالهم.
المخططات الصغيرة غير عملية عندما تصل قيمة الأموال غير الشرعية إلى مليارات الدولارات.
رغم أنها في مقدمة الكفاح ضد غسيل الأموال، إلا أن التزام بريطانيا بذلك تزعزعه القوانين الرخوة للشركات، مما يجعل ذلك البلد وجهة جذابة للجريمة العالمية المنظمة؛ هناك نحو 19 شركة وهمية مركزها بريطانيا، وهناك شكوك بأنها تعمل في مجال تبييض الأموال.
حق مديري الشركات في التزام السرية بحسب القوانين البريطانية يعيق محاولات تحديد المجرمين الحقيقيين الكبار.
مع محاولات الأحزاب السياسية استغلال الغضب من النخبة الذي يجتاح العالم الثالث، لقيت رسالة المحاسبة التي صدرت عن عمران خان ومولانا طاهر القادري شعبية كبيرة.
بسبب حرية العمل التي كانت لديه لبعض الوقت، أعطى مجلس المحاسبة الوطني في عهد الجنرال مشرف البلد دفعة جيدة ضد الفساد.
ولكن خلال عامين من وجوده في السلطة، وصل الفساد إلى نظام مشرف؛ ولإحساسه بضرورة “الشرعية الديمقراطية”، تنازل مشرف بما يخص المحاسبة وبما يخص مصداقيته هو نفسه.
الهدف المعلن لكل الأنظمة العسكرية هو القضاء على الفساد، لكنها سرعان ما تصبح جزءا من النظام الذي جاءت لتقضي عليه.
قائد الانقلاب الأخير الذي جرى في تايلاند الجنرال برايوث تشاونشا وقع في مشاكل في الحملة التي خططت لها المؤسسة العسكرية ضد الفساد والمحسوبية والمال السياسي.
إلا أنه وبدعم من نفس الأشخاص الذين استهدفتهم تلك الإجراءات، استطاع الفاسدون تقليص التأييد الشعبي للمجلس العسكري الحاكم في تايلاند.
المراجعة الأسبوعية لمجلس المحاسبة الوطني لقضايا الفساد المحتمل يجب أن تعطى أقصى حدود الدعم لاستهداف الجشعين على أساس أن القضية في أعلى الأولويات وبدون قيود.
المحتاجون يجب أن يتم التعامل معهم من قبل أقسام إقليمية لمكافحة الفساد، ويجب أن تراقب لجنة من مكتب الفساد الوطني بشكل منتظم تطور هذه القضايا.
بذلك يكون لدى مجلس المحاسبة الوطني ما يكفي من الوقت لملاحقة الفاسدين الجشعين.
مؤتمر مكافحة الفساد الذي عقد مؤخرا في جنيف وفر فرصة طيبة للتواصل مع خبراء معروفين في مجال مكافحة الفساد، وقد تعلم منه المشاركون الكثير.
خبراء مكافحة الفساد بدوا واثقين من خطط الدول المتقدمة حول كيفية مكافحة الفساد، لكنهم لا يملكون نفس الثقة بما يخص مكافحة الفساد في العالم الثالث.
هاك حاجة لمزيد من التواصل على الأرض.
بالرغم من الحاجة إلى التمييز في طريقة المحاسبة، إلا أن الفساد هو الفساد، سواء ارتكبه المحتاجون أو الجشعون.
شعوب العالم الثالث تحتاج بقوة إلى أن تكون المحاسبة عملية مستمرة.