أولئك الذين يميلون أن يعزوا إلى الأقوام البدائية قسوةً عديمةَ الشفقةِ حيال أعدائهم، سيعلمون بقدرٍ أكبر من الاهتمام أن قتل الإنسان لدى هذه الأقوام ما كان ليتم دون مراعاة بعض الأحكام التي تؤلف جزءاً من العادات، هؤلاء البدائيون كانوا يعرفون - قبل زمنٍ طويل - أن كل انتهاك لحرمة الإنسان سوف يستتبعه عقاب يحل بالجميع.
وبمناسبة تصاعد وتيرة الرؤوس المقطوعة نذكر كيف أن القبائل المتوحشة في بورنيو اهتدتْ إلى وسيلةٍ تمكنها من جعل أعدائها القتلى أصدقاء وحراساً وحماةً أيضاً.
تتمثّل بالاعتناء بكل حنوٍّ بالرؤوس المقطوعة.
فعندما يعود مقاتلو قبيلة الداياك في ساحل ساراواك برأس عدو لهم، يحيطون هذه الرأس على مدى شهورٍ بشتى ضروب الحفاوة، ويطلقون عليها أعذب ما في لغتهم من أسماء وأحلاها، ويدسّون في فمها أحسن قطع الطعام والحلوى والسجائر.
ويتضرعون إليها بإلحاح أن تنسى أصدقاءها القدامى وتمحض مضيفيها الجدد حبها كله لأنها من الآن وصاعداً تؤلف جزءاً من بيتهم.
إن عادات التصالح ـ التي تُراعَى في جزيرة تيمور ـ بعد العودةِ المظفرة لعشيرةٍ محاربةٍ حاملة رؤوس الأعداء القتلى مثيرةٌ للاهتمام للغاية؛ فلدى الرجوع الظافر للمنتصرين، تُقدَّم الأضاحي لتهدئة أرواح الأعداء وإلا فإن مصائب شتى ستنزل بالمنتصرين، وتُؤدَّى رقصةٌ مصحوبةٌ بغناءٍ يُبكى فيه العدو الصريع ويُلتمَس غفرانه:(لا يأخذنَّك الغضبُ بنا، فلدينا هنا رأسك، ولو لم يحالفنا الحظ، فأغلب الظن أن رؤوسنا كانت هي التي ستُعرض الآن في قريتك، ولقد قدّمنا لك أضحيةً ليسكن روعك.
والآن ينبغي أن ترضى روحك وتدعنا في سلامٍ.
لماذا كنتَ عدونا؟ أما كان خيراً لنا لو بقينا أصدقاء؟ فما كان دمك ليُسفك ولا رأسك ليُقطع).
كم من الأرواح اليوم بحاجة لأن يسكن روعها.