في مقاربة بين السمات الدلالية التي تحملها مفردة البدوي، وعلاقتها بالسمات الدلالية لمفردة القارئ يحلل الكاتب علي الديري نقاط ذلك التقارب ومنها: (البدوي كائن لا يعرف الاستقرار، كثير الترحال، يحب اكتشاف المناطق المجهولة، ويعتمد في ذلك على قدرته الفائقة في قراءة علامات الطبيعة الصحراوية، ويضاعف من هذه القدرة بصيرته النافذة، كل هذه السمات حاضرة في مفهوم القارئ الحديث فهو لا يعرف الاستقرار عند معنى ثابت للنص.. لذلك فهو كثير الترحال بين طبقاته الدلالية.. يعتمد فيها على بصيرته اللغوية القادرة على التأقلم مع تغير العلامات وقراءتها قراءة اختلافية).
ويتقاطع المفهوم المتحضر لمعنى القراءة مع مفهوم البداوة بطريقة طريفة حللها الكاتب الديري في كتابه (التربية ومؤسسات البرمجة الرمزية) وكأن القراءة وصف متدرج، يرتقي القارئ فيها درجة، كلما حقق اختلافه عن النص المقروء).
وفي تحليل الديري لحالة الانفصال عن النص التي يعاصرها القارئ بمفهومه الحالي ذكر فوائد منها: (انفصال نص القارئ عن نص المؤلف المكتوب على الورق الذي يسميه بارت (الأثر) أعطى القارئ استقلالية، وحرية في تشكيل نصه). ويشير الديري إلى دور النص واختلاف القارئ: (لقد أصبح النص ساحة لعب يمارس فيها القارئ مهارات اكتشاف المحذوف، والمخفي، والمسكوت عنه، والمتناقض فيه، والملتبس به، والمشتبه فيه. وقد استدعى هذا، تغيير مفهوم قبليات القارئ المعرفية (استراتيجيات التأويل لديه) وتوسيع مفهوم رؤيته للعالم، فقد غدت هذه الاستراتيجيات منظار رؤيته للعالم منظار رؤيته التي يقرأ من خلالها النص. وتبعاً لذلك كله يوصلنا الديري إلى رؤيته للقارئ الجديد: (لقد أصبحت استراتيجية القارئ مجموعة من المهارات التي تؤهله للعب بـ”ومع علامات اللغة، ولا نبالغ حين نقول إن القارئ غدا نطفة لغوية”). وبما يستدعيه مفهوم القراءة الآن أحدث كثيرا من التحول في مفاهيم حياتية ومدنية غير محدودة.
تحولات مؤسسة القراءة
هدى الدغفق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
