مرّت عملية إنتاج الصيغة السماعية والكتابية للأحكام العملية استدلالاً ووصولاً بتقلّبات زمنٍ وأمواج تغييرٍ، وغدَت كلّ الممارسات الفقهية في عالمنا الإسلامي الكبير مُحاطةً بكثيرٍ من وسْم الجغرافيا ونكهة الثقافة الحصرية.
وفي مجموع النظرة العامة المختصرة لآلة تصنيع الشكل النهائي للفقهيات نجد أنّ مزاج الفقه في وطننا كسولٌ في مواجهة تحدّيات الأسئلة وإشكالات الانتقاد، لا يقوى على تفاعل بنّاء مع موجات الاستفتاء إلا حين مواسم الأنساك والعبادات وطوارئ الاقتصاديات بنزرٍ قليل متشابه في الطرح والمضمون والقوالب.
ما أظنّه استطاع فقيهُ اليوم بالرّغم من دراسته ومجموع مرجعيات تكوينه العلمي مواءَمةً مع منافذ الإقناع وتسلسل التحليل في غالب أدائه المجتمعي والوعْظي بسبب تمسّكه عادةً وعُرفاً بنمطيّة الترجيح بناءً على ما قاله الأولون وانحيازه اختياراً ومزاجاً لذات الترتيب الاستدلالي في حكايةٍ ومحاكاةٍ لم تُنتِج جديداً.
لذلك أعتقد بأنّ هذه الصورة الحركية داخل دائرة البُطءِ والتردّد عجّلت في السنوات الأخيرة بالجرأة على النّبذ والتكذيب والنقد والانتقاد بل والاستنكار من الذين لا علاقة لهم علميةً بالعُمْق الفقهي أصلاً.
وحينَ ذاك ارتبك المزاج الفقهي العام في احتواء هذه الصدمة غير المتوقعة ليعودَ مفتشاً عن المكتوب والمدوّن في عصور الأئمة ظناً منه بأن سرد المتون على المخالف مظنّة الإفحام وإثبات الحق الذي يدّعيه.
وفي نظري بأنّ كل هذا مأساة تجثمُ على صدر القدرة للانطلاق بنور هذا الدّين العظيم للعالم لا يخرجُ منها الفقيه إلا بانفتاح آفاقه العقلية والشعورية على أدوات الفكر وبيانيّات الخطاب الجديد.
عندما ينساق الفقه في مزاج من دوّنوه في زمانهم بما يناسب من جلسَ للتلقّي عنهم لن نتوقّع من المسلم في هذا الزّمان التزامَ امتثالٍ وتقبّل تديّنٍ لم يحصل من الذين كانوا قبلهم ويذهب التكرار أدراج إضاعة الوقت وهدر الطاقات.
نحتاج لمهنيّة فقهيّة متاحة الوصول والتبنّي تأخذُ بزمام المبادرة نحو تفعيل تعريف الفقه الذي حفظناه بأنه (العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبط من الأدلة التفصيليّة) ولكل زمانٍ مزاج استنباطٍ يؤتي أُكلَه علماً ذا تأثير مُقاس.