لا يمكن إغفال تأثّر الثقافة العربية بنظرية هيبولت تين في البيئة، وبالأخص إبان النهضة العربية، وجعل الرواد يبحثون عما يقابل تلك النظرية في أدبنا، وصادف ذلك أن الدولة الإقليمية الوطنية الحديثة - دولة الحدود والهوية الوطنية - لم يألف الناس ولا المثقفون، في بدء ولادتها، الاعتزاء إلى هوية وطنية كلية جامعة، وانتموا إلى الإقليم بل وإلى المدينة، وربما كان نموذج العراق مفيدًا، وتجربته في الدولة الوطنية عريقة جدًّا، فالعراقيون حين أعلنت دولتهم الحديثة سنة 1920م، لم يكونوا ينتسبون إلى الهوية “العراقية”، وإنما يقال: “بغدادي”، “بصري”، “موصلي”، وهكذا، ولم يختلف الأمر في بلادنا، فمضت عقود طويلة والناس ينتسبون إلى أقاليمهم، فهذا حجازي وذلك نجدي، وهذا عسيري وذاك أحسائي... إلخ، واحتجنا في المملكة إلى سنوات طويلة، وتحوّلات ضخمة لنسمع الهوية الوطنية الجامعة “سعودي”.
وعلينا ألا ننسى أن مواطني هذه البلاد كانوا يعيشون قبل عقود في دوائر مغلقة، إلا ما ندر، فأظهر ذلك آدابًا محدودة بحدود الإقليم، وإن كانت تمتاز بخصائص أدبية جامعة، حين تأثر أدباؤنا بالآداب العربية، إبان الحقبة الرومنطيقية أو الحقبة الواقعية، على أنه يصعب اليوم تمييز أدب أو ثقافة بالإقليم، فخصائص الأدب أوسع من حدود الإقليم والبيئة، وفي الأدب من معاني الفردية ما يحول دون أن يلوذ الأديب بحدود الإقليم بل بحدود البلاد التي ينتمي إليها بجامع وطني.
وأنا أقرأ الأدب في حدود اللغة والثقافة التي يعتزي إليها، وأجد في حرف الجر “في” مندوحة عن التترس خلف الإقليم والوطن، فالأدب عربي لأنه ينتمي إلى اللغة العربية والثقافة العربية، وتجدني لا أستسيغ عبارة مثل “الأدب السعودي”، وأجد عبارة “الأدب في المملكة العربية السعودية” أشد بيانًا لأنها تصل أدب هذه البلاد بشجرة الأدب العربي، ومثلها عبارات “الأدب الحجازي”، “الأدب النجدي”، “الأدب العسيري”، “الأدب الأحسائي”، “الأدب الجازاني”! على أن عبارة “الأدب في...” لا تحول دون خصائص نفسية أو ثقافية بين بلاد وبلاد وبين إقليم وإقليم، وربما حسبناها مشكلات ثقافية واجتماعية أكثر منها أدبية، تحمل الأدباء على الصدور عن فكرة معينة، يعنون لها فيما ينشئون.
الأدب والهوية
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
