تخيل لا قدر الله، أنك مسافر مع عائلتك وتوقفت عند إحدى محطات البنزين، وذهبت إلى بقالة المحطة ومن خلفك يمشي طفلك فرحا، لأنه سيشتري ما يحب ويفضل من أنواع الحلوى، ثم تلتفت خلفك فلا تجده، تتوقع في هذه اللحظة أنه رجع للسيارة، تسأل عنه والدته لكنها تجيب: لم يرجع إليها، تبحث عنه يمينا وشمالا وتفاجأ وقد وقع بصرك على أشخاص يهرولون صوب حفرة للصرف الصحي مكشوفة، ويصرخون الطفل (الحقوا) الطفل سقط في الحفرة، ثم تكمل سفرك أو رحلتك بدون طفلك بعد أن تواريه الثرى.
لا أريد أن أتحدث عن مشاعر وحالة الأب والأم في تلك اللحظات، فليس هناك مصيبة أعظم من مصيبة فقد الإنسان لقرة عينه وفلذة كبده، ومهما كتبنا واخترنا من سحر الكلمات وجميل العبارات فستعجز كلها عن وصف تلك المشاعر من الحزن العميق والألم الشديد الذي يدمي القلب ويعتصره ويجعله يتفطر لوعة وحرقة وحسرة.
ما ذكرته ليس قصة من نسج الخيال، ولكنها حصلت قبل بضع سنوات مع أحد المسافرين، بعد أن توقف عند محطة بنزين في محافظة ضباء، وكم كنت أتمنى أن يغادر هذا المسافر وأسرته مدينتي الجميلة ضباء بانطباع أجمل، بدلا من هذه الذكرى السيئة التي ستبقى تلازمهم، وتظل عالقة في عقولهم وقلوبهم لن ينسوها ولن ينسوا ما حدث وما فقدوا طول حياتهم.
تذكرت هذه الحادثة بعد الذي حصل في جدة يوم الخميس 15 ذو الحجة 1435هـ، حيث أدى الإهمال إلى سقوط أب وابنه في خزان للصرف الصحي بجوار أحد المجمعات التجارية بشارع التحلية، وفارق الاثنان الحياة، أسأل الله أن يرحمهما ويغفر لهما ويجعلهما من أهل الجنة ويلهم أهلهما وذويهما الصبر والسلوان. هذا في أرقى وأشهر شارع في جدة، فكيف حال الشوارع الأخرى؟ حادثة شارع التحلية ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة طالما بقي الإهمال وعدم المبالاة، وغياب الرقيب وانعدام المحاسبة والعقاب، فلو عملنا برنامجا لحصر عدد ضحايا حفر الصرف الصحي وغيرها من الحفر، على مدى عشرين أو ثلاثين عاما مثلا بالتاريخ ومكان الحادث، على غرار البرامج التي تبثها بعض القنوات الفضائية حينما تسقط طائرة ركاب، إذ تقوم هذه القنوات بسرد تاريخي لحوادث سقوط الطائرات، على مدى سنوات طويلة، من حيث عدد المرات، وعدد الضحايا في كل حادث، وأماكن سقوطها، ولو تطوع وقام أحد بهذا العمل، أتوقع سنفاجأ في النهاية برقم كبير ومخيف من ضحايا حفر الصرف الصحي وغيرها من الحفر. حفظنا الله وإياكم، وحفظ أطفالنا من شر هذه الحفر.
مسلسل ضحايا حفر الصرف الصحي.. من المنتج؟
عبدالله حسن أبوهاشم2 دقائق للقراءة

حجم الخط
